عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

الليبرالية الأوروبية .. تختنق

أرسل إلى صديق طباعة PDF

الليبرالية الأوروبية .. تختنق

تاريخ النشر: الأحد 16 مارس 2014

نجحت الليبرالية الإنجليزية في توسيع الحقوق الديمقراطية عبر إصلاحات مختلفة في مجلس العموم وقوانين الانتخابات مع نهاية الحروب النابليونية عام 1815. وفي عام 1928 حصلت المرأة البريطانية على حق التصويت، لكل من تبلغ الحادية والعشرين من العمر! لا زلنا نعرض مع بعض الإضافات التوضيحية، محتويات كراس د. حازم الببلاوي «عن الديمقراطية: قضايا ومشاكل»، القاهرة 1993. ومن المفيد هُنا أن نبين للقارئ أن الليبرالية قد يراد بها عدة أشياء. كما أن المصطلح في بعض جوانبه ذو دلالات نسبية. وقد تعني شيئاً في مجتمع ما وشيئاً آخر في مجتمع ثان. وقد تبدو الليبرالية في مرحلة من التاريخ محافظة محدودة وفي أخرى حرّة بلا قيود. وقد يطلق المصطلح على فترة من تاريخ أوروبا، حيث يقول د. الببلاوي مثلاً إن «العصر الذهبي للفكر الليبرالي في التطبيق خلال القرن التاسع عشر قد اصطُحب بازدهار ونمو الثورة الصناعية في إنجلترا». وقد تعتبر تلك المرحلة غير ليبرالية إذا أخذنا بالاعتبار حرمان الطبقات الشعبية والمتوسطة من حقوق سياسية عديدة كما أشرنا في مقال سابق وفي مقدمة هذا المقال. وقد تعد على العكس إذا قارنا أوضاع بريطانيا خلال هذه الفترة والأفكار السياسية والاجتماعية، بما كان عليه الحال في مجتمعات غربية أخرى كإسبانيا وروسيا وغيرها. ينتقل د. الببلاوي في حديثه عن الليبرالية إلى القرن العشرين وبداية الحرب العالمية الأولى 1914 - 1918، ويتحدث عمّا حدث لليبرالية في هذا القرن، فيقول:

«مع قيام الحرب العالمية الأولى بدأ تراجع الليبرالية المستمر على المستوى الفكري، وظهرت اتجاهات التدخل الحكومي، ولم يعد للفردية وحقوق الأفراد وحرياتهم نفس القدر من القدسية والاحترام. ومن هنا أصبح من الممكن، باسم الحرية الفردية ذاتها، أن تُفرض على الفرد - ولمصلحته - أمور لم يكن ليدركها لقصور في ظروفه المادية أو النفسية.

كانت مرحلة ما بين الحربين 1918 - 1939 عصر الديكتاتورية والأنظمة العقائدية والفردية في أوروبا. وهكذا بدأت تظهر أفكار تنافس الفردية وتعارضها، وظهرت، يقول د. الببلاوي، تيّارات فكرية تتجاوز الفرد، وتقدس العرق أو الطبقة. فقامت الأفكار الفاشية تدعو إلى تغليب القوميات، وراحت الأفكار الاشتراكية تدعو لسيطرة طبقة العمال، «وهكذا بدأت تتوارى الفردية وراء أفكار شمولية لا ترى سوى العِرْق - ألمانيا وإيطاليا، أو الطبقة - روسيا. وكان قيام النظام البلشفي في روسيا 1917 ثم الفاشي في إيطاليا 1923 والنازي في ألمانيا 1933 مؤذناً بأفول الليبرالية وتراجعها. وجاءت الأزمة المالية العالمية 1929 كاشفة عن قصور الرأسمالية واقتصاد السوق. ومن هنا أصبح تدخل الدولة قاعدة عامة. وانتهى أو انحصر دور الأفراد وحرياتهم في معظم دول وسط أوروبا وشرقها. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية وسيطرة الأحزاب العمالية والاشتراكية على معظم دول أوروبا الغربية تأكدت المذاهب التدخلية مع استمرار بعض تقاليد الحكم الليبرالي على حياء في الديمقراطيات الغربية. ومع استقلال المستعمرات وظهور بلدان «العالم الثالث»، ومعظمها يفتقد التقاليد الديمقراطية، سادتها حكومات قويّة لم تلبث أن تحولت في معظمها إلى أشكال من الحكم الفردي أو الشمولي.

«وهكذا بدأ النصف الثاني من هذا القرن وقد غلبت النظم الشمولية معظم المعمورة تدعمها أيديولوجيات جاهزة ونماذج فعّالة للحكم البوليسي. ولم يعد غريباً أن يسود الاعتقاد بأنّ عصر الليبرالية قد ولى إلى الأبد، وأن الظاهرة الليبرالية ليست إنسانية أو عالمية بقدر ما هي خاصة بعدد محدود من الدول الغربية الصناعية وربما اليابان. وظل وضع الهند محيراً يثير الدهشة أكثر مما يدعو إلى الاهتمام».

في هذا الجو الغامر من تقهقر الليبرالية، يستدرك د. الببلاوي، بدأت تظهر بعض الأصوات المنفردة التي تدعو إلى الليبرالية. ومنها كتابات «فون هايك» عن الحريّة ودولة القانون والحاجة إلى اللامركزية، كرد فعل لما أظهرت النظم الماركسية، وكذلك للخلاص من سلبيات أشكال تدخل الدولة في الاقتصاد ضمن الأنظمة الرأسمالية.

وخلص «هايك» إلى أن الفردية أساس الكفاءة الاقتصادية ومن الذين أضافوا للفكر الليبرالي إلى جانب «هايك»، كل من «راولز» في كتابه «نظرية العدالة»، و«جيمس بوكنان» بنظرية في «الاختيار العام» الذي شكك في قرارات البيروقراطية والجهاز الوظيفي ومدى اتفاقها مع المصلحة العامة. فقد أوضح «بوكتان» أن الموظف العام يبحث عن تحقيق مصالحه، وكثيراً ما لا يتأثر بالأعباء العامة. فالدولة كما يراها «ليست كياناً ميتافيزيقياً وإنما هي مجموعة من الهيئات والمؤسسات ولكل منها مصالحه الفئوية ونظرته الخاصة، وليس من الصحيح أن كلاً منهم يبحث عن المصلحة العامة، بل إن فكرة المصلحة العامة تتأثر وتتغير من هيئة لأخرى في نفس الحكومة، وكثيراً ما يسود التنافس والتناقض بين أجهزة الدولة نفسها». ويرى بوكنان كذلك، «أن انعدام الكفاءة في إدارة المصالح العامة إنما يرجع إلى سبب رئيسي وهو أن التكاليف والأعباء التي تترتب على قرارات الموظفين لا تؤثر فيهم مباشرة، وإنما يتحملها الاقتصاد القومي في مجموعه».

وهكذا أوضحت نظرية «الاختيار العام» صعوبة الارتكان إلى أجهزة الدولة وحدها لتحقيق الصالح العام. ولعلّ أهم ما تتميز به الليبرالية، في اعترافها بحقوق الأفراد وحرياتهم، يقول الببلاوي، هو قدرتها على التسامح والتعايش مع مختلف القيم والآراء والمعتقدات، مما أعطاها نضجاً وعمقاً في عدم الانسياق وراء المطلقات. فنجد أن «أوروبا التي عرفت أشد وأقسى أنواع الحروب الدينية في القرن السادس عشر هي نفسها التي استطاعت أن تتعايش مع حريّة العقيدة للجميع دون تعصب في القرون التالية. وبالمثل فإن أوروبا الغربية، أوروبا القرن العشرين والتي عرفت أبشع الحروب للصراع بين القوميات، هي نفسها التي تسعى الآن لنوع من الوحدة الاقتصادية والسياسية بعد أن خففت من غلواء القومية كما سبق وخففت من غلواء الدين».

وأخيراً فإن هذه الليبرالية الجديدة، يضيف الببلاوي، تواجه عداء مزدوجاً من اليمين واليسار. «فاليسار يتهمها بأنها تدعو للفردية وتنس المجموع، واليمين يأخذ عليها تجاهل الأوضاع والمزايا التاريخية المستقرة لقومية أو دين أو جنس». في حين لا تعترف الليبرالية بالفرد إلا باعتباره إنساناً بصرف النظر عن دينه أو لونه أو عرقه أو طبقته، وهو أمر لا يسهل قبوله دائماً. تطالب الليبرالية بضرورة عدم الخلط بين «الدولة» و«المجتمع»، وعلى أهمية تحقيق التوازن بين «حقوق الفرد» و«مصالح المجتمع».

ويناقش د. الببلاوي هذه العلاقات المتداخلة فيقول ليس صحيحاً أن الفكر الليبرالي بنزعته الفردية يهمل مصالح المجتمع، بل هو يهتم وبنفس القوّة بحماية الصالح الاجتماعي وتوفير مظلّة واقية للضعيف والفقير.

ثمة انطباع شائع، يقول د. الببلاوي، يخلط بين الدولة والمجتمع «والحقيقة أن الدولة ليست هي المجتمع. بل الدولة مجموعة من أجهزة السلطة تساندها أجهزة متعددة من المؤسسات الإدارية والنظم القانونية. ولذلك فقد كانت كافة الثورات والانتفاضات الشعبية موجهة إلى أجهزة الدولة ومؤسساتها

 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات