عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

من الكنيسة إلى الدولة:

أرسل إلى صديق طباعة PDF
من الكنيسة إلى الدولة:
لماذا فقدت السلطة قيمتها في القرن الحادي والعشرين؟

عرض : د‮. ‬مروة نظير
‮ ‬مدرس العلوم السياسية،‮ ‬المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية

Mosis Naim,The End of Power: From Boardrooms to Battlefields and Churches to States، Why Being In Charge Isn’t What It Used to Be?(New York: Basic Books, 2013)

ليس من الجديد الحديث عن وجود فاعلين جدد من‮ ‬غير الدول علي الساحة السياسية،‮ ‬سواء الداخلية أو الدولية،‮ ‬إذ كان من بين أهم تداعيات العولمة وثورة تكنولوجيا المعلومات صعود دور الجماعات،‮ ‬والشركات،‮ ‬والمؤسسات العابرة للحدود، كما نشط دور المنظمات الدولية،‮ ‬سواء الإقليمية أو العالمية، فضلا عن اتجاه بعض التحليلات إلى التركيز علي دور‮ "‬الأفراد‮" ‬كفاعلين مؤثرين سياسيا، وهو ما تأكد مثلا في أحداث ثورات الربيع العربي‮.‬

 

ولعل هذا التغير في أنماط الفاعلين السياسيين هو ما دفع البعض للحديث عن تغير في نمط‮ "‬السلطة‮"‬، ومن ثم يأتي هذا العمل في الوقت المناسب، إذ يتواكب مع صعود القوي الهامشية في جميع أنحاء العالم الغربي،‮ ‬فضلا عن الدور المتزايد الذي يلعبه الفاعلون‮ ‬غير التقليديين في الآونة الأخيرة في العالم النامي‮.

كما تتبدي أهمية الكتاب في ضوء الخلفية المهنية لمؤلفه موسي نعيم، الذي جمع بين العمل الأكاديمي والسياسي، إذ شغل منصب وزير التجارة والصناعة في فنزويلا، كما خدم في وقت لاحق كمدير لبنك فنزويلا المركزي،‮ ‬والمدير التنفيذي للبنك الدولي،‮ ‬وذلك فضلا عن كونه أستاذا للاقتصاد، ألف العديد من الكتب حول الشئون الدولية،‮ ‬ورأس تحرير مجلة السياسة الخارجية‮.‬

انحلال السلطة‮:‬

يقدم الكتاب أطروحة أساسية،‮ ‬مفادها أن التحول الحالي في السلطة يتجاوز فكرة توزعها بين أكثر من فاعل، مؤكدا أنها تمر بعملية أكثر عمقا، حتى يمكن القول إنها في مرحلة‮ "‬الانحلال‮"‬، ومن ثم يري أن فهم كيف تفقد السلطة قيمتها،‮ ‬ومواجهة التحديات الصعبة المترتبة علي ذلك هو المفتاح لفهم اتجاهات إعادة هيكلة العالم في القرن الحادي والعشرين‮.‬

في السياق ذاته،‮ ‬يؤكد الكتاب أن الثورات التي شهدها العالم أخيرا لاسيما ثورات الربيع العربي،‮ ‬تركت آثارها علي‮ "‬السلطة‮"‬، حيث أضحي من السهل الآن الوصول إلى السلطة،‮ ‬ولكن من الصعب الحفاظ عليها واستخدامها‮. ‬كما يري الكاتب أن الفاعلين التقليديين كالحكومات، والشركات الكبيرة والمنظمات الدينية،‮ ‬أصبحوا يجدون صعوبة في التمتع بنفوذهم،‮ ‬أو سلطاتهم،‮ ‬نظرا لظهور ما يعرفه الكاتب بالقوي الصغري‮ ‬"micro powers" كالأحزاب الهامشية، والنشطاء السياسيين، والشباب بلا قيادة الموجود في الميادين‮.‬

ملامح التحول في المفهوم‮:‬

يحاول الكتاب عبر فصوله تقصي أهم ملامح التغير في مفهوم‮ "‬السلطة‮".‬ وفي الفصل المتعلق بـ‮ "‬اضمحلال السلطة السياسية‮"‬، يري الكاتب أن الأحزاب السياسية التقليدية تتعرض لاضمحلال قوتها،‮ ‬ليس فقط بسبب تزايد نفوذ الأحزاب الهامشية،‮ ‬كحزب الشاي في الولايات المتحدة،‮ ‬ولكن أيضا نتيجة اتجاه عدد متزايد من الأفراد للمشاركة بنشاط في العملية السياسية‮. ‬ويستعين الكاتب في هذا السياق بمثال الانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي الفرنسي في إطار التحضير للانتخابات‮ ‬2012،‮ ‬إذ أعطي الحزب جميع الناخبين المؤهلين،‮ ‬وليس فقط أعضاء الحزب،‮ ‬الحق في إبداء الرأي في مرشحي الحزب‮.‬

أما علي الصعيد الاقتصادي، فيؤكد أن السلطة تتآكل أيضا في مجال الشركات والأعمال، وهو ما يتضح بشكل واضح في التغير السريع والديناميكي في صناعة التكنولوجيا العالمية،‮ ‬حيث تسيطر علي السوق العالمي الآن شركات مثل جوجل،‮ ‬وفيسبوك،‮ ‬وأمازون‮.‬ وللوصول إلى ذلك،‮ ‬سحقت تلك الشركات العمالقة السابقين في هذا المجال،‮ ‬إذ شهدت تلك الأسواق انخفاض أسعار أسهم شركة نوكيا بأكثر من‮ ‬90٪،‮ ‬وانخفضت أسعار أسهم ياهو بأكثر من‮ ‬80٪‮.‬

أما الفصل المتعلق بـ‮ "‬القوة العسكرية‮"‬، فيشير الكاتب من خلاله إلى أن الأدبيات التقليدية بشأن الحرب لم تعد مفيدة لقادة اليوم الذين أضحي عليهم مواجهة فاعلين من‮ ‬غير الدول كالقراصنة في خليج عدن، وحزب الله،‮ ‬أو تنظيم القاعدة، وهم فاعلون قادرون علي توجيه ضربات موجعة للفاعلين التقليديين‮.ورغم الاعتراف بأن الميليشيات والعصابات المسلحة ليست ظاهرة جديدة،‮ ‬فإن الجديد الذي يؤكده الكاتب هو عدم رغبة الدول في إطلاق العنان لقدراتها العسكرية في مواجهة هذه المجموعات،‮ ‬رغبة في تجنب التداعيات السياسية‮.‬

يشير الكاتب في السياق ذاته إلى اتجاه القوات المسلحة التقليدية في العديد من الدول إلى الاستعانة بخدمات بعض المقاولين من القطاع الخاص للقيام ببعض المهام مثل المشتريات،‮ ‬واستجواب السجناء‮ .. ‬وغيرها‮. ‬ورغم ذلك،‮ ‬يؤكد الكاتب أن القوات المسلحة بمعناها التقليدي‮ "‬الجيوش‮" ‬ليست علي وشك الاختفاء، إلا أن سلطاتها تتآكل لصالح القوي الصغري التي تتزايد قوتها بسبب تحسن وسائل الاتصال لديها،‮ ‬فضلا عن حصولها علي تكنولوجيا الحرب عن بعد بأشكالها المختلفة‮.‬

مخاطر انحلال السلطة‮:‬

إجمالا، يتميز العالم في المرحلة الجديدة من تفتيت السلطة‮ -‬علي حد وصف الكاتب‮- ‬بتزايد عدد السكان الحضريين علي نحو لافت، كما يشهد حالة من فرط الترابط والاتصالات بفعل انتشار الإنترنت،‮ ‬والهواتف النقالة التي يستخدمها ما يقرب من‮ ‬87 ٪‮ ‬من سكان العالم‮. ‬وفي هذه المرحلة،‮ ‬سيرتبط التفاعل بين العوامل الديموجرافية والتكنولوجية وغيرها من المتغيرات بالمنافسة التجارية، مع انحسار الحواجز الهيكلية أو الاستراتيجية بين الدول،‮ ‬وخلق هياكل جديدة للسلطة عبر القوي الصغري أو‮ ‬"micro powers"‮.‬

يشير الكاتب إلى أن إعادة التوزيع،‮ ‬واضمحلال السلطة يضعان تحديات عميقة أمام السياسة الداخلية والقيادات الوطنية، إلا أنه يؤكد كذلك أن مخاطر انحلال السلطة علي الصعيد العالمي تفوق المخاطر الداخلية علي مستوي الدول،‮ ‬إذ لابد من الحصول علي دعم موافقة العديد من الفاعلين المختلفين،‮ ‬سواء من دول،‮ ‬ومن‮ ‬غير الدول لتحقيق أي تقدم في القضايا ذات الطابع العالمي مثل‮: ‬تغير المناخ، والانتشار النووي، والأزمات الاقتصادية، ونضوب الموارد، والأوبئة، والفقر، والإرهاب، والإتجار بالبشر، والجرائم الإلكترونية،‮ ‬وغيرها‮.‬

كما يحذر الكتاب من اتجاه النظام العالمي إلى أن يصبح أقل مرونة ومليئا بالمؤسسات الوطنية والدولية الضعيفة‮. ‬ومن ثم،‮ ‬يختتم الكتاب بإثارة تساؤل هو إذا كان مستقبل السلطة يتجه نحو الاختلال والتدخل، وليس الإدارة والدمج، فهل من الممكن والمتوقع أن يتجه العالم إلى الاستقرار مرة أخري؟

في الختام، يري البعض أن الكتاب،‮ ‬علي الرغم من أهميته القصوي،‮ ‬قد يعاني بعض التناقضات‮.‬ فعلي سبيل المثال،‮ ‬علي الرغم من تأكيد أن شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي أثرت في العملية السياسية، فإن الكاتب‮ ‬يؤكد أن الإنترنت ليس السبب الرئيسي وراء اضمحلال السلطة، وأن هناك مبالغة في تقدير أهمية هذه العوامل‮. ‬كما أن تأكيد أن ثورات الربيع العربي جاءت أساسا نتيجة عوامل ديموجرافية،‮ ‬كارتفاع نسبة الشباب المتعلم العاطل عن العمل، إلا أنه من الصعب إنكار أن نجاح هذه الحركات يرجع،‮ ‬ولو جزئيا،‮ ‬إلى وسائل التواصل الاجتماعي‮. ‬وفي السياق ذاته، قد يري بعض دارسي العلوم السياسية أن الكتاب،‮ ‬علي الرغم من أهميته،‮ ‬يفتقد وجود دراسات حالة مفصلة، وهو ما قد يفقده بعضا من المصداقية‮.‬

 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات