عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

الإمبراطورية الأمريكية أمام سؤال المصير

أرسل إلى صديق طباعة PDF

 

عبدالله بن عمارة

لم يعد من شك لأي متابع للشأن الاستراتيجي أن بداية تراجع المشروع الإمبراطوري الأمريكي قد بدا بشكل جلي منذ السبع سنوات الماضية، يمكن التأريخ له بحرب لبنان في 2006 التي عجز فيها الكيان الوظيفي لهذا المشروع من تجاوز الحلقة الأهم (سحق حزب الله) في إتمام صياغة مشروعه الشرق الأوسط الكبير الجديد الذي خرج من مراكز البحوث والدراسات من المستوى التنظيري المعرفي،

 

المؤطر ضمن منظومة فكرية متكاملة شكلت المرجعية الثقافية للمشروع الأمريكي في عهد المحافظين الجدد، - أسس روادها لمفاهيم ذات حمولة فكرية غارقة في التنظير للاستعلاء والسيطرة والعنصرية الغربية من قبيل "الاستباق" في الحرب مع ويليام كريستول ولورانس كابلان إلى "الفوضى الخلاقة" مع مايكل ليدن دون إغفال دور برنارد لويس كمرجع لكل هذه المنظومة-، إلى المستوى العملي المعمد بدماء الأبرياء من شعوب هذا المشرق.

 

احتلال العراق - بوصفه التجسيد الفعلي والمباشر للإستراتيجية الإمبراطورية لأمريكا في أوج طموحها للسيطرة على منابع النفط وطرق مواصلاته، وتامين ما تسميه أدبيات الأمن القومي الإسرائيلي بالجبهة الشرقية وترسيخ أحادية القرار الأمريكي في العالم بالقدرة على تغيير الأنظمة واستبدالها بأخرى تابعة دون الحاجة للرجوع "لمؤسسات الشرعية الدولية"- تحول إلى ما يمكن أن نمثله بالفرصة التاريخية لقوى إقليمية "مارقة" عن منظومته الإمبراطورية ذات البعد النيولبرالي العولمي الرافض للدول الوطنية ومشاريعها النهضوية الاستقلالية المواجهة لمخططات التقسيم والتجزئة، التي تقع في القلب من المشروع الإمبراطوري الأمريكي وأدواته الوظيفية في المنطقة.

هذه الفرصة التاريخية لهذه الدول الوطنية المستقلة والمنتظمة في إطار محور متكامل يضم إيران وسوريا والمقاومتين اللبنانية والفلسطينية فتحت المجال لأكبر عملية استنزاف للمجهود الحربي الأمريكي منذ حرب فيتنام، أدت إلى انكشافه عسكريا، بإظهار محدودية قدرته العسكرية الجبارة في تحقيق أهدافه الكبرى أمام المقاومة العراقية خصوصا مع الانخراط شبه المباشر والحاسم لحزب الله بهذا الاشتباك بعد حرب 2006 والذي اظهر فعالية وجدوى عسكرية ظهرت في أداء كتائب حزب الله في العراق التي بدت كنسخة عراقية عن حزب الله (لا يكاد يخلو تقرير صحفي أو عسكري وتصريح للاحتلال الأمريكي من دون ذكر الدور الفعال لهذا الفصيل) وعصائب أهل الحق من العراق، دون إغفال الزخم المقاوم الذي صنعته فصائل أخرى منذ تاريخ سقوط بغداد والذي تعرض للاحتواء بالمال الخليجي وللتكتيكات الأمريكية في مواجهة القاعدة (الصحوات نموذجا)، واستراتيجيا بالتأسيس لبداية عصر الانكفاء إلى الداخل والابتعاد عن شن الحروب الكبرى عدا عن الأعباء الاقتصادية الكبرى التي ساهمت بشكل حاسم بالإضافة إلى عوامل أخرى في بروز الأزمة الاقتصادية التي أصبحت عائق أمام أي نزوع إمبراطوري لأمريكا.

هذا الانكشاف الذي وصل إلى ذروته بإعلان الانسحاب من العراق - في مشهد خالي من أي بهرجات إعلامية عادة ما تصاحب الحشود العسكرية الأمريكية- بخسائر بشرية ومادية هائلة دون تحقيق الحد الأدنى من الأهداف من اتفاقية أمنية تضمن تواجده العسكري إلى نظام منضو لمنظمة الدول العربية السائرة في الفلك الوظيفي للمشروع الأمريكي، بدأ باعتراف أمريكي بالدور الحاسم لسوريا وإيران في عرقلة مشاريعها في العراق والحاجة للجلوس معها في طاولة مفاوضات لخروج من المأزق بما سمي بورقة بيكر- هاملتن.

فكانت من نتائج حرب 2006 في لبنان فشل المشروع الأمريكي الإمبراطوري الشرق الأوسط الكبير، الذي سبق للسيد حسن نصر الله في إحدى خطبه أن استعمل مصطلح تحطيم البوابة الغربية لمشروع الشرق الأوسط الكبير في معرض تحريضه للمقاومة العراقية لهزيمة هذا المشروع في بوابته الشرقية أي العراق، هذا الفشل والعجز عن تحقيق أهداف إستراتيجية كبرى عبر الاستعمال الموسع للقوة العسكرية في اكبر تحرك إمبراطوري أمريكي وضمن سياق جيوستراتيجي مؤات (ما بعد أحداث سبتمبر 2001) لم يكن بعيدا عن مخابر التمحيص والدراسة لدى قوى عالمية صاعدة كروسيا باعتبارها رأسمالية وطنية ذات مشروع وطني استقلالي يطمح لأداء دور عالمي يتناسب مع قوتها العسكرية وقدراتها الاقتصادية الهائلة، والصين القوة الاقتصادية الكبرى التي تتهيأ للوصل إلى مرتبة الاقتصاد الأول عالميا، بما أسس لرؤية إستراتيجية جوهرها التنسيق والتحالف المنتظم في إطار تكتلات تتموقع تدريجيا خارج سياق سيطرة المنظومة العولمية السياسية والاقتصادية بقيادة أمريكا (مجموعة شانغهاي والبريكس نموذجا).

بوصول اوباما لقمة الإدارة الأمريكية بما مثله من استجماع لكل الخطاب الأمريكي الذي يعادي الحروب ويعطي الأولوية للخروج من الأزمة الاقتصادية، والذي رافقته شهادات ودراسات تدعو لإعادة تقييم الأداء الأمريكي العالمي في فترة المحافظين الجدد، بدا للدارس أننا أمام بداية اعتراف أمريكي ضمني بالضرورة الملحة للانكفاء صوب الداخل الأمريكي المتأزم، لكن أحداث سوريا التي تلت ما عرف ﺑ"الربيع العربي" أعادت الأمريكي إلى المشهد العالمي في صيغته الإمبراطورية التي تحاول ركوب الموجة الجديدة للأحداث بما يخدم مشروع السيطرة من جديد فأصبح لزاما على صانع القرار الأمريكي استعادة تنظيرات مايكل ديلن حول "الفوضى الخلاقة" أو اعتماد دراسة شريل بينار حول ضرورة صياغة تحالفات من نوع جديد مع قوى الإسلام السياسي المستعدة لخدمة المصالح الأمريكية، في سياق عام بدا له انه مؤات لكسر شوكة سوريا كمحور لهذا المشرق الذي عرقل مشاريعه وكشفه استراتيجيا.

صمود الدولة الوطنية في وسوريا والمحافظة على مركزيتها ووحدة مؤسساتها وعلى رأسها المؤسسة العسكرية وارتباطها بشبكة أمان إقليمية ودولية منعت سقوطها في يد القوى التكفيرية المدعومة من منظومة التحالف الوظيفي الرجعي– الصهيوني زاد من حجم الانكشاف الاستراتيجي لأمريكا من جهة وهيئ سياق عام جيوستراتيجي تموضعت من خلاله روسيا والصين فعليا في موقع الرافض للانفراد بالقرار العالمي من جهة أخرى، بما يؤسس لبداية تشكل نظام عالمي جديد قوامه الشراكة في صناعة القرار العالمي والاعتراف بوجود قوى صاعدة لا يمكن تجاوزها.

العقل الإمبراطوري غير خاضع بالضرورة للعقلانية في الأداء التي قد تنبع من مراكز الدراسات والبحوث (think tanks) وإنما غالبا ما يقع في دائرة السلوك المزهو بالقوة العسكرية والغطرسة التي قد تجد لها من يبررها أو ينظر لها من داخل هذه المراكز نفسها، فلا يستسيغ النزول بسلاسة من ذروة الشعور الاستعلائي (النابع من المركزية الغربية) بالتفوق حضاريا وعسكريا بل وحتى قيميا على العالم إلا من خلال خوض حروب يعتبرها مصيرية للحفاظ على موقعه العالمي تماما كما كانت حرب السويس عام 1956 ضد مصر حاجة لإثبات هذا الشعور لدى الإمبراطورتين الفرنسية والبريطانية وانتهت نتائجها بخروجهما من المشهد العالمي من مستوى إمبراطوريات عظمى إلى دول منخرطة تحت مظلة الثنائية القطبية السوفيتية والأمريكية.

أمام الإمبراطورية الأمريكية اليوم بكل مراكز صناعة القرار فيها تحدي الإجابة على سؤال المصير، فإما قبول ضمني بتغير العالم لجهة تعدد أقطابه وقواه وقبول اختلاف مرجعيات شعوبه الثقافية والحضارية، والاعتراف بضرورة الانكفاء التدريجي وفق مفاوضات تسووية يبدوأن روسيا ما زالت توفر لها الأرضية لضمان المصالح الأمريكية في الإقليم والعالم، وإما خوض حرب كبرى للحفاظ على دورها الإمبراطوري العالمي وتفوق نموذجها الاقتصادي والقيمي.

هذه اللحظة المصيرية بالنسبة للإمبراطورية الأمريكية هي نقطة تحول مفصلية في السيرورة التاريخية لها منذ ظهورها فهل نحن أمام الخيار الأول الذي يعني نصر لسوريا ولشبكة تحالفاتها الإقليمية والدولية واقتحام للتاريخ من باب صياغة النظام العالمي الجديد المنشود، أوأمام خيار المواجهة الكبرى الذي استجمعت فيه منظومة المقاومة كل عوامل القوة وأدوات الاشتباك ذو الطابع الوجودي لتغيير وجه المنطقة... والعالم.

 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات