عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

الاقتصاد الريعي؟

أرسل إلى صديق طباعة PDF

ما هوالاقتصاد الريعي؟

 
بقلم مرزوق النصف:
سنتناول في هذا المقال موضوع الاقتصاد الريعي، وتحديداً تعريف ثلاثة مفاهيم، هي: الريع والاقتصاد الريعي والدولة الريعية، ومن ثم سنحدد تبعات هذه المفاهيم على الاقتصاد والدولة اللذين يهيمن عليهما الريع.
وتنبع أهمية هذا الموضوع من كثرة تداول تعابير مثل «الاقتصاد الريعي» و«الدولة الريعية» في النقاشات العامة، من دون تحديد دقيق لمعانيها، كذلك لتعلق هذا الموضوع بدول الخليج العربية التي ننتمي إليها، وسيتضح لاحقا أن مفهوم الريع ومشتقاته بالفعل مفهوم مركزي عند تحليل الوضع السياسي الاقتصادي في دول الخليج العربية، وبالتالي، فإنه يستحق الدراسة.

تعريفات أولية

في عام 1970 صاغ الاقتصادي الإيراني حسين مهدوي المفهوم الحديث للريع، من حيث علاقته بالدولة، حيث عرَّف الدولة الريعية بأنها الدولة “التي تحصل، وبشكل منظم، على كميات معتبرة من الريع الخارجي التي تُدفع من قِبل أشخاص أجانب، أو هيئات أو حكومات أجنبية، لمصلحة أفراد أو هيئات أو حكومة الدولة المعنية» (Mahdavy 1970). وللتفصيل، فإن للريع تعريفات مختلفة، لكن يمكن تعريفه في هذا المقام بأنه الدخل القانوني (ليس سرقة مثلا)، الذي يأتي من غير الإنتاج، مثل الدخل الذي يحصل عليه الرأسمالي المحتكر من قدرته على رفع الأسعار نتيجة الاحتكار، أو الدخل الذي يحصل عليه صاحب العقار، كإيجار عن شغل العقار أو عند بيعه، ففي كلتا الحالتين الدخل قانوني في ظل الرأسمالية وليس نتيجة إنتاج يقوم به الرأسمالي أو العامل، بل نتيجة احتكار للسوق أو لمورد طبيعي، كالأرض التي يُبنى عليها العقار.
ومن المهم هنا ملاحظة أن الريع ليس متعلقا ببيع النفط أو الغاز فقط، كما قد يتصوَّر من يسمع عن الاقتصاد الريعي في نقاشاتنا العامة، بل إن الريع قد يأتي من احتكار طرق المواصلات، كما في الريع من قناة السويس (قناة من صُنع البشر)، أو في الريع من تأجير بعض الدول لموانئها لدول لا تطل على البحر، أو من تأجير القواعد العسكرية، كما قد ينتج الريع من احتكار مختلف الأسواق، فهذه أمثلة على مصادر للريع لا علاقة لها بالاعتماد على النفط أو الغاز، وليست مقتصرة على دول الخليج العربية وغيرها من الدول النفطية.
لكن في حالة الدولة الريعية، يجب أن يكون من يدفع الريع أجنبيا، لأنه لو لم يكن أجنبيا لما أثر على مجمل الدخل في الدولة، فبما أن الريع ليس حصيلة إنتاج معين، فهو بالضرورة حصيلة إعادة توزيع للثروة من دافع الريع إلى محصله، وبالتالي لو كان الريع مقتصراً على معاملات داخل الدولة، لما أنتج دخلا جديدا على مستوى المجتمع.. لذلك، يجب أن يكون الريع مدفوعا من الخارج، ليؤثر على دخل الدولة كتحويل من خارج الدولة لداخلها.

تعريفات مفصلة

من بعد تعريف مهدوي الأساسي، ظهر تعريف أكثر تفصيلا عام 1987 من قِبل الاقتصادي المصري حازم الببلاوي (بالمناسبة اختير وزيرا للمالية بعد ثورة 25 يناير 2011 المصرية) والاقتصادي الإيطالي جياكومو لوتشاياني (Beblawi & Luciani 1987)، ولعل هذا هو التعريف الأكثر اعتماداً اليوم في أوساط الأكاديميين المهتمين بقضايا الريع في الدول النامية، وهنا يتم التمييز بين مفهوم واسع هو الاقتصاد الريعي ومفهوم أضيق هو الدولة الريعية، ولنبدأ بالمفهوم الواسع حيث يتميَّز الاقتصاد الريعي بأربع خصائص إن وُجدت في اقتصاد ما صح وصفه بالريعي، والخصائص هي:
مصدر الريع خارجي (كما في التعريف الأساسي أعلاه).
يشكِّل الريع الخارجي العامل المهيمن في الاقتصاد، وعُرّفت «الهيمنة» بشكل عام كـ 40 في المائة من دخل الدولة.
ينخرط معظم السكان في استهلاك أو توزيع الريع وليس إنتاجه، فمثلا معظم سكان الكويت يستهلكون ريع النفط ويوزعونه، وذلك عبر عملهم في القطاع العام، فيما تعمل أقلية في إنتاج النفط مباشرة.
المتسلم الأساسي للريع هو الحكومة.
أما بالنسبة لتعريف الدولة الريعية هنا، فهي حلقة الوصل بين الاقتصادات الخارجية والاقتصاد المحلي عبر سيطرتها على المدخول من الريع.

التبعات السياسية لهيمنة الريع

مفهوم الدولة الريعية ذاته يشكِّل حلقة الوصل بين تعريف الاقتصاد الريعي وتبعاته على الدولة والمجتمع.
والفكرة الأساسية هنا هي أن هيمنة الدولة على مدخول الريع، الذي مصدره أصلاً خارجي، تعني أن الدولة ليست معتمدة كثيراً في دخلها على الشعب، بمعنى أن من يوفر معظم الموارد المالية التي تسمح للدولة بالاستمرار فئتان: منتجو مادة الريع (عمال النفط في الكويت)، ومشترو النفط (الدول الأجنبية)، ومَن غيرهما ليس أساسيا لتوفير معظم موارد الدولة المالية، ما يعني أن للدولة حرية أكبر في التعامل مع معظم فئات المجتمع، حيث إنها ليست مرتهنة لهم، على الأقل ليس كمصدر أساسي للدخل.
وفي الدول غير الديمقراطية سياسياً، فإن لمن يسيطر على الدولة حرية كبيرة نسبياً في صرف الريع، فيمكن لأصحاب السلطة مثلاً صرف الريع على الأجهزة الأمنية، لضمان استمرارية النظام، أو يمكن صرفه لرشوة الشعب كلما ضاق ذرعا بالنظام، أو يمكن صرفه ببساطة على ملاهي الفئات الحاكمة، أو يمكن طبعا صرفه لتطوير الدولة، ولتحسين مستوى معيشة السكان، عبر توزيع عادل للريع، وهنا يتضح أن محاولة السيطرة على الدولة لا تكون بدافع السيطرة على السلطة والأجهزة الأمنية فقط، كما في الدول غير الريعية، بل إن الدول الريعية تمثل منطقة صراع أيضا، لكونها تمثل المصدر الأساسي للسيطرة على ثروة المجتمع مباشرة عبر التحكم بالريع.
وهذه كانت بعض أهم التبعات السياسية للاقتصاد الريعي كما تنعكس في الدولة الريعية.

التبعات الاقتصادية لهيمنة الريع

هناك أيضا تبعات اقتصادية لوجود اقتصاد ودولة ريعيين، منها الميل باتجاه الاهتمام بالقطاعات الاستهلاكية والاستيراد أكثر من القطاعات الصناعية، والسبب هو أن الريع يوفر مصدراَ ميسراً إلى حد ما للدخل مقارنة مع الصناعة، وخصوصا التصنيع الثقيل، وبالتالي لا يبدو التركيز على تطوير الصناعة خياراً طبيعياً للدولة، طالما أن مصدر الريع ميسر وكاف، وطالما لم يتم استثمار مدخول الريع في الصناعة، فإنه بالضرورة سيذهب إما إلى الادخار أو الاستهلاك، وما يتم ادخاره سيكون مآله الاستهلاك، ما دمنا قد صرفنا النظر عن الاستثمار في الصناعة، وطبعا هذا الاستهلاك سيتم إشباعه عبر الاستيراد، لأنه لا صناعة حقيقية في البلد، فإذن الميل نحو الاستهلاك والاستيراد هو وجه العملة الآخر للميل نحو إهمال تطوير القطاعات الصناعية.
وهناك رافد آخر للميل نحو إهمال الصناعة والاعتماد على الاستيراد، وهو يتعلق بظاهرة اقتصادية تسمى المرض الهولندي Dutch Disease نسبة لاكتشافها تاريخيا في هولندا، وهي تشير إلى السلبية الناتجة عن ارتفاع الطلب على عملة دولة ما، ما يؤدي لارتفاع سعرها، وبالتالي غلاء صادراتها، فمثلا لبيع سيارة أميركية في الكويت يجب على المورد أن يشتريها من الولايات المتحدة، وعملة الولايات المتحدة طبعا غير عملة الكويت، فيجب على المورِّد أولا أن يصرف (مكافئا اقتصاديا للشراء) بالدنانير الكويتية دولارات أميركية، ليتمكن من شراء السيارة من أميركا أولا بالدولارات، عملية شراء الدولارات هذه تمثل طلباً على شيء ما، وعندما يزيد الطلب يرتفع السعر، وبالتالي ينتقل المستهلكون إلى عملة أخرى أقل تكلفة، وهكذا تبور السيارات الأميركية في السوق العالمية، دونما خطأ مباشر من العمال الأميركان أو حتى الرأسماليين الأميركان، بل نتاج تغير سعر صرف الدولار.
وهذا ما تعانيه دول مثل الكويت التي تعد عملتها في الواقع الأغلى في العالم بواقع 3.56 دولارات للدينار، اعتباراً من يونيو 2012 (The Economist 2012)، وهذا يعني أن منتجاتها ستكون غالية جدا في السوق العالمية إذا ما بيعت بالدينار، وكون الكويت صغيرة من حيث عدد السكان، فهذا يعني أن الطلب المحلي على المنتجات غالبا متواضع، فيما تطوير قطاعات صناعية مهمة وكبيرة يتطلب طلبا كبيرا ومستقرا، وهذا يعني ضرورة التصدير، ومن غير المتاح هنا التفصيل في مدى ارتباط تصدير النفط مباشرة بارتفاع سعر صرف الدينار، لكن الواضح أن مثل هذا السعر المرتفع للدينار لا يساعد على التصدير، فكون العملة قوية أو غالية لا يعني بالضرورة أمرا حسنا.
على أي حال، كانت هذه بعض التبعات الاقتصادية والسياسية لوجود الاقتصاد الريعي والدولة الريعية.

خاتمة:

استعرضنا في هذا المقال، بشكل مختصر، تعريفات الريع والاقتصاد الريعي والدولة الريعية وتبعاتها على المجتمعات، وكان الأمل تقديم هذا الموضوع بشكل مبسط وبلغة مباشرة لتمكين القارئ من فهم النقاشات العامة حول الموضوع وللمشاركة فيها بوعي.
ملاحظة: استفاد هذا المقال، في جزء كبير منه، من كتاب مهم هو Capitalism and Class in the Gulf Arab States الصادر في عام 2011 للدكتور آدم هنية، أستاذ دراسات التنمية في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن.
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات