عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

الصراع على السلطة وتطور الفكر السياسي .. الحلقة 1

أرسل إلى صديق طباعة PDF

د. صلاح علي نيّوف

اولا ـ مفهوم الأفكار السياسية

لا يمكن لأية دراسة سياسية أن تتجاهل قراءة الأفكار، حيث أنها تأخذ دور الدليل في تفسير وتحليل خطاب وغموض الفاعلين في العمل السياسي.أما الوصول إلى الموضوعية في قراءة الأفكار فهذا أمر شبه مستحيل، لأن الأفكار وقراءتها تختلف عن العلوم المجردة، فالمراقب لا يمكنه القيام بالتمييز الضروري كما يحصل في المخابر مثلا. النظريات و المذاهب السياسية هي أعمال ناتجة عن العقل ويمكن إدراكها كبناءات عقلية من خلال طريقة عرضها أو كتابتها. لكن هذه النظريات والمذاهب ليست التعبيرات الوحيدة التي يقدمها الإنسان عن فهمه للسياسة. فإذا كان المتخصصون وعلماء السياسة يبنون النظريات السياسية، إلا أن جميع الناس لديهم أفكارهم السياسية.

إذن، الأفكار السياسية هي التعبيرات التي يقدمها الإنسان عن فهمه للسياسة في أهدافها،وسائلها ونتائجها. من هنا نتفهم أنا الأفكار السياسية أكثر عددا من النظريات والمذاهب السياسية، كما أن هذه الأفكار ضرورية “ لأنها توضح رؤية وتعبير الإنسان العادي عن السياسة رغم أن هذه الرؤية تفتقد الأصالة النظرية أو الطريقة التي يتبعها فلاسفة الفكر السياسي في التحليل والعرض”[1]. إن التمييز،عند العديد من المنظرين، بين المذاهب السياسية و الأفكار السياسية أمر أساسي. فالمذهب هو " مجموعة من المعتقدات، إما الدينية أو الفلسفية التي تقود إنسانا في تفسيره للأفعال وفي توجهات حياته". [ معجم ليتريه الفرنسي]. أما معجم [لاروس] يعطي تعريفا ليس بعيدا عن السابق " حيث أن المذهب السياسي هو نظام كامل من الفكر يرتكز على تحليل نظري للفعل السياسي". إن مصطلح " الأفكار السياسية" أكثر اتساعا من المذهب السياسي،" حيث لا يقصد به فقط تحليل الأنظمة السياسية القائمة من قبل بعض المفكرين، بل أيضا وضع هذه الأنظمة في سياق تاريخي، ثم البحث عن طريقة ولادتها وماذا تشكل بالنسبة للإنسان" [2].

يظهر لدينا أيضا أن مفاهيم المذهب و النظرية السياسية هي مفاهيم ضيقة وصعبة التطبيق. بمعنى لا تسمح سوى بالتحليل من خلال المؤلفات السياسية، في الواقع هو منهج جيد ومفيد، أي الاستناد إلى المؤلفات السياسية من أجل فهم الفعل السياسي، لكن المؤلفات السياسية لها طابع فكري خالص. بالإضافة لذلك، من الصعب التمييز بين النظرية السياسية و المذهب السياسي. أما الأفكار السياسية فتضيف بعدا أكثر أهمية. حيث يعرف معجم [ليتريه] الفرنسي كلمة " فكرة" بأنها :" تصور و إدراك ظاهرة محددة داخل العقل البشري" ، أما معجم [لاروس] فيعرف نفس الكلمة أنها :" التصور المجرد لكائن ما و لعلاقة بين الأشياء". إذن، الأفكار السياسية هي التصور الذي يقدمه الإنسان للفعل السياسي، للعمل السياسي و المؤسسات السياسية " فمفهوم الأفكار السياسية هو أيضا أكثر اتساعا من النظرية والمذهب السياسي، وتحليل الأفكار السياسية يفترض أن نأخذ بعين الاعتبار، ليس فقط المؤلفات السياسية لمفكرين سياسيين, بل أيضا الشكل الذي يفكر ويرى فيه مواطن عادي الفعل السياسي وتفاعله معه على أرض الواقع" [3]. هذا المفهوم يقودنا لعودة سريعة إلى التعريف الأرسطي و رأيه حول ضرورة :" أن نقرأ ليس فقط تنظيم الدول، بل أيضا أشكال الحكومات المتخيلة من قبل الفلاسفة".

إن إشكالية تأثير الأفكار السياسية على تطور الحياة و المؤسسات السياسية هي في مركز التفكير حول طبيعة السياسة. هذه الإشكالية يمكن صياغتها كالتالي : هل الأفكار هي التي تحدد الأفعال السياسية أو العكس؟ [4]. بعض المدارس السياسية ترى أن الأفكار تقود تطور الأفعال، والتغيرات التي تتحقق ناتجة عن إرادة الإنسان الجادة في بناء مشروع ما. ونرى هذا المعنى موضحا في الجزء الأول من كتاب " ثيبوديت" [ الأفكار السياسية الفرنسية] الذي يقول :" إن السياسة هي الأفكار". أو بمعنى آخر " قراءة الأفكار السياسية هو أساسية ولها الأولوية في فهم الظاهرة السياسية" [5].

في الحالة السورية، قراءة الأفكار السياسية تدفعنا لطرح العديد من الأسئلة التي سيحاول البحث الإجابة عنها: لقد فرضت ممارسة السلطة إشكالية لا بد للسوريين أن يعملوا عليها طويلا وهي لماذا هذه السلطة وليست غيرها؟ ما هو أساسها وجوهرها؟ من هم المسيطرون عليها؟ إلى أين امتدت هذه السلطة؟

ثانيا ـ قراءة المؤلفات السياسية

تشكل المؤلفات السياسية مصدرا جوهريا لقراءة الأفكار السياسية. لكن هذا لا يعني الاكتفاء فقط بالكتابات السياسية الخالصة. معظم الكتّاب السياسيين ليسوا، جميعهم، متخصصين في السياسة، حتى أن السياسة ليست الحقل الذي يعملون فيه أو الذي يشكل اهتمامهم المسيطر. هنا ولأسباب منهجية علينا وضع فواصل بين المواقف المختلفة. نظريا ، نحن أمام موقفين : الأول ويرى أهمية معرفة كل الكتابات التي تلامس من بعيد أو قريب المادة السياسية قيد التحليل أو الدراسة، وهي طريقة ممتازة على الصعيد العلمي لأن العلم يعمل على قراءة وفحص كامل وعدم تجاهل أي مؤلف من غير معرفة ماذا يمكن أن يقدم لنا. ولكن من الناحية العملية هذا أمر شبه مستحيل، لأنه في بحثنا هذا ،مثلا، سنكون أمام موقف اختيار مؤلفات بعينها أو أولويات لأشياء على أخرى. الموقف الثاني، يؤيد تمركز قراءة الأفكار السياسية حول المؤلفات والأعمال السياسية الكبرى.

تاريخيا، عرف حقل الأفكار السياسية أسماء كبيرة قدمت مؤلفات في غاية العمق الفكري، لكنها بقيت معزولة. حتى أن أعمالهم السياسية لم تعرف إلا في وقت متأخر كذلك الإقرار بها وبأهميتها، ولكن عندما أصبحت متداولة ومعروفة كانت الأفكار السياسية قد سبقتها. بالمقابل، أسماء أخرى عرفت ازدهارا كبيرا. على سبيل المثال " ميكافيلي" الذي انتشرت أفكاره السياسية عبر العالم. وإذا تحدثنا عن الموضوعية نرى أنه لا يوجد مذهب سياسي موضعي بشكل خالص، مع ذلك يوجد في معظم المؤلفات السياسية، ثورية كانت أم محافظة، عناصر تستحق أن نقف عندها مطولا وتم تطبيقها عمليا. من جهة أخرى، تعتبر المذاهب السياسية أقل أهمية لأن نوعية الواقع التي تخلقه أقل بكثير مما تتحدث عنه، ومن هنا نقول أن الأكثر أهمية في تاريخ الأفكار السياسية ليست علاقتها مع العلم والحقيقة، بل التأثير على المستقبل وعلاقتها به.[6]

في سوريا، لطالما وجدت دراسات عن الأفكار السياسية لكنها كانت قليلة. حتى أن مادة تاريخ الأفكار السياسية لا تدرس في الكلية الوحيدة المتخصصة بالعلوم السياسية في سوريا في جامعة دمشق. ولم تحقق هذه الكلية أي تقدم يذكر على هذا الصعيد، بمعنى الإطلاع على كبرى منجزات العقل السياسي الإنساني في مجال إبداع الأفكار السياسية، بل على العكس وضعت عوائق كثيرة أمام طلبتها لمنعهم من التعمق في ميدان الفكر السياسي لاسيما الغربي منه. ومن المؤسف القول بأن هذه الكلية كانت عاجزة تماما عن تقديم أبحاث مستقلة أو حتى كتاب واحد في العلوم السياسية، مع الابتعاد الكامل عما يتعلق بتاريخ الأفكار السياسية في سورية، فمعظم الدراسات في هذا المجال تم تكريسها لدراسة إيديولوجية حزب البعث السورية و دور الرئيس حافظ الأسد في تعميق " الفكر السياسي" لهذا الحزب.

من بين المؤلفات السياسية التي أنتجت في سورية منذ الاستقلال لابد من اختيار الأكثر أهمية وتأثيرا أكثر من غيرها من المؤلفات الأخرى. ضمن عملية الاختيار هذه لن تكون المعايير معقدة، حيث معظم المؤلفات السياسية تتحدث عن نفسها وتتحدث نفس الشيء " الإسلام السياسي، حزب البعث، الاشتراكية العربية، الفكر القومي العربي ...الخ. ربما اختيار كتب محددة أو كتّاب بعينهم يبدو للوهلة الأولى أمر تعسفي، لكن من الصعب استخدام طريقة أخرى في هذا البحث المختصر.

سوف نركز البحث حول الأفكار السياسية في سورية و طبيعة الإيديولوجيات السائدة، محاولين ربطها بالأفكار السياسية في الإقليم المجاور أو حتى الفكر السياسي بشكل عام. يمكن لأي قارئ أن ينتقد طبيعة اختيارنا للمؤلفات والأفكار السياسية في سورية لاسيما أن الاختيارات في بعض الأحيان ربما تكون شخصية وتعمل وفق رؤية الكاتب وتفضيله لهذا أو ذاك الكاتب أو المؤلف.

إن قراءة الأفكار السياسية في سورية أمر في غاية الضرورة والأهمية، فهي تقودنا للتفكير بالأسئلة المتعلقة بمكان الإنسان في المجتمع السوري، وطريقة التنظيم الحالية لهذا المجتمع وما يجب أن يكون عليه مستقبلا، فالاعتبار هنا هو لمكانة الإنسان واحترام حقوقه بشكل عام، والضمانات المعطاة له لممارسة هذه الحقوق. بشكل عام، لقد كان التفكير بالإنسان ولعصور طويلة تفكيرا فلسفيا لا يختلف كثيرا عن القناعات الدينية التي ترتكز على المعتقد الذي يبدو المفسر الوحيد للتعبير عن الحقيقية. فعلى سبيل المثال، أثرت المسيحية وبشكل عميق على التفكير السياسي الأوربي منذ نهاية العالم الروماني وحتى القرن التاسع عشر، مع العلم أنه وضمن هذه الفترة حاول العديد من المؤلفين بناء علم للسلطة السياسية يستبعد الأفكار الدينية. نجد نفس الحالة في معظم البلدان الإسلامية حيث أن الشرعية السياسية والظروف المثالية لممارسة السلطة يتم البحث عنها في مصادر ومراجع دينية.

ففيما يتعلق بالمؤلفات السياسية السورية، علينا طرح العديد من الأسئلة: هل علينا قراءة البناءات الفكرية التي تم تحويلها لمؤلفات منشورة واعترف بها كمراجع؟ أو من الأفضل معرفة الأفكار السياسية عند السوريين حاليا وفي أوقات أخرى، ثم تحليل الإيديولوجيات، دراسة العقليات التي مارست السلطة وظروف هذه الممارسة وأهدافها ووسائلها التي تشكل ميدان السياسي في سوريا؟ كل موضوع له أهميته الخاصة ولا يمكن تقديمه أو تفضيله على الآخر.

أخيرا، وفيما يتعلق بقراءة المؤلفات السياسية، ما هي المؤلفات التي يمكن أن تكون " نقاط علاّم" في تطور الفكر السياسي في سورية؟ قبل تحديد ماهية هذه المؤلفات، وقبل معرفة المؤلفين والمؤلفات التي أثرت على التاريخي السياسي المعاصر لسورية، علينا فهم المعنى الحقيقي لكلمة " تطور" في الفكر السياسي السوري. الحديث عن التطور لنشير إلى "المراحل" من جهة، فهذا يمكن أن يحمل معنى إيجابي وآخر سلبي. ومن جهة أخرى، المرحلة تعني نهاية فترة وبداية فترة أخرى. ضمن هذا المعنى، يمكن أن نتخيل أن الفكر السياسي السوري يسير أو يحدث كحركة بدأت قبل قرن، وعرفت مراحل هامة تحت تأثير بعض المؤلفات والكتّاب السياسيين. وهنا نستحضر " ديمتري جورج لافروف" في هذا الموضوع:" إن مراحل الفكر السياسي ليست مطبوعة بتقدم حققه الإنسان في معرفة المجتمع السياسي وتحولاته، بل وبكل بساطة من خلال لحظات كانت وما زالت هامة لأنها تبدي تغيرا أكثر أو أقل عمقا في شكل تعريف المجتمع، وتحديد مكانة الإنسان فيه، وإلى أي مدى عليه أن يكون منظما ليضمن سعادته، من خلال العدالة أو أية فكرة أخرى"[7].

عمليا، إن أكبر المؤلفات التي أثرت على الفكر السياسي تتطابق في الغالب مع مراحل عرفت موضوعا غلب في أهميته على المواضيع الأخرى وبدا أنه قابل للتطبيق. في الواقع إن المؤلفات السياسية الأولى التي شكّلت أسس الفكر السياسي السوري تعود إلى القرن التاسع عشر أي إلى عصر النهضة. الفكر العربي الحديث تشكّل مبكرا في سورية ومصر، حيث تبنى مجمل النموذج الأوربي في كل أبعاده وقيمه، بشكل خاص الفردية والحرية، العلوم والديمقراطية. هذه الأسس التي عرفها الفكر السياسي في سورية لها وجهتي نظر: الأولى، أن التفكير كان حول مفهوم السياسة نفسه و حول النطاق أو المحيط الذي ستتطور فيه هذه السياسة. الثانية، أن أسس الفكر السياسي اتصفت بالنقاشات حول علاقة الديني بالسياسي[8].

نختم هنا بالقول إن أكبر المؤلفات السياسية وأكبر المؤلفين السياسيين لا يمثلون بالضرورة عصرهم. أي من الممكن أن تكون الأفكار السياسية الأكثر أهمية موجودة في كتب عادية ولدى كتاب غير معروفين.

 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات