عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

الإسلاميون والدولة العلمانية 1رضوان السيد

أرسل إلى صديق طباعة PDF
كان الصراع حول التطورات التي أدت إلى إلغاء الخلافة في تر كيا (1922-1924) ، وكتاب علي عبد الرازق عام 1925 البيئة التي ظهرت فيها أُولى منتجات الفكر الإسلامي المعاصر . وكنتُ قد فرَّقتُ في موضعٍ آخر بين الفكرين الإسلاميين الحديث والمعاصر بالإشكالية التي حكمت كلاًّ منهما . فالإشكالية الرئيسيةُ في الفكر الإسلامي الحديث ( من منتصف القرن التاسع عشر وحتى ثلاثينات القرن العشرين ) هي الإصلاح والتقدم ، وكيف يمكن تحقيقهما . أما إشكالية الفكر الإسلامي المعاصر في العقود الستة الأخيرة من القرن العشرين فتتمثل في التأكيد على الهوية الإسلامية ، ووسائل حفظها وصيانتها ، والدفاع عنها (1) .

I


كانت وجهة نظر علي عبد الرازق أنَّ النبيّ جاء برسالةٍ روحيةٍ دينيةٍ ، وأنه لم يقصد قط إلى إنشاء دولةٍ إسلامية . وبالتالي فلا محلّ للقول بأنّ رسالتـــه تضمـــنت وجوب إقـامة تـلك الدولة الإسلامية في صورة نظام الخلافة (2) . وفي نفس الاتجاه ذهب الدكتور طه حسين في كتابه " مستقبل الثقافة في مصر " الصادر عام 1937 ؛ فقد قال : " إنّ المسلمين فطِنوا منذ عهدٍ بعيد إلى أصلٍ من أصول الحياة الحديثة ؛ وهو أنّ السياسة شيء ، والدين شيءٌ آخر – وأنَّ نظام الحكم وتكوين الدول إنما يقومان على المنافع العملية قبل أن يقوما على أي شيءٍ آخر . وهذا التصور هو الذي تقوم عليه الحياة الحديثة في أوروبا " (3) .
وجهةُ النظر هذه ، التي دعمها سياسيون ومثقفون لأسبابٍ قوميةٍ وثقافية واجهها مفكرون إسلاميون كثيرون بالتأكيد على أمرين اثنين : ارتباط الديني بالسياسي في الإسلام ( محمد رشيد رضا ، ومحمد بخيت ، ومحمد الطاهر بن عاشور ) ، وأن كون الإسلام يتضمن الدينَ والدولة معاً ، يعني أنّ الهوية الإسلامية مهدَّدةٌ إن انفصلا ، وأنه لا بد من الحفاظ عليها بشتى الوسائل والسُبُل ( مصطفى صبري ، ومحمد الخضر حسين ) .
ومع أنّ وجهتي النظر السالفتي الذكر ما كانتا الوحيدتين في أوساط المفكرين المسلمين ( أنظر مثلاً أُطروحة عبد الرزاق السنهوري عن الخلافة ، 1927 ) (4) ؛ فإنّ وجهة النظر الثانية هي التي سادت في أوساط الإسلاميين في العقود التالية . وربما بسبب ذلك ( أي غَلَبة الربط بين الدين والدولة ) ، ما جرى الاهتمامُ كثيراً بحدود الاختلاف بين ما اصطُلح على تسميته بالدولة الإســلاميــة ( = الخلافة ) ، وما جــرت تسمــيتُهُ بالــــدولة العلمــانية أو القــومية ( نموذجها الوحيد آنذاك دولة أتاتورك ) . نملكُ فقط من هذه الفترة ملاحظة محمد رشيد رضا في مقالةٍ له بمجلة المنار عام 1928 يقول فيها إنّ الفرق بين الدولة الإسلامية ، والدولة الأوروبية قيام الثانية على " العصبية الجنسية " (5) . وفيما عدا ذلك ؛ فالمُلاحَظ أنّ المفكرين الإسلاميين في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين يُعنَون بالمقارنة بين الحضارتين الإسلامية والغربية ، أو النظامين الإسلامي والغربي ، دونما اهتمامٍ ظاهرٍ بنظامي الحكم أو أنظمة الحكم في الحضارتين . ونملكُ من هذه الفترة مقالةً مشهورةً لأبي الأعلى المودودي (-1979 ) كتبها سنة 1941 عنوانها : " انتحار الحضارة الغربية " يقول فيها إنه قد سُلِّط على تلك الحضارة شيطانان قويان يجرانها حتماً إلى الهلاك ؛ أولُهما شيطانُ تضاؤل النسْل ، وثانيهما شيطان القومية . أما الأول فقد غلب على عقول أفرادها رجالاً ونساءً فجعلهم يستأصلون أنسالهم بأيديهم . وأما الشيطان الآخر فقد استولى على عقول أممها وحكوماتها . وسبيلُ الخروج من هذا القطار السائر إلى الهاوية تبدأ بالتخلص من عبوديتنا الفكرية للنموذج أو المثال الغربي ، والعودة لأصالة الإسلام (6) . والأمر نفسه يمكن قولُهُ عن كتاب أبي الحسن الندوي الصادر بالعربية عام 1950 بعنوان : " ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين " ؛ إذ تجري فيه المقارنة بين الحضارات ، وبخاصةٍ الغربية والإسلامية ، ولا يُشارُ إلى الوضع السياسي أو نظام الحكم إلاّ عند التعرض لأسباب انحطاط المسلمين . هناك يقول الندوي إنّ من أسباب ذلك فصل الدين عن السياسة ، مما أدى إلى وصول غير أكفاءٍ إلى السلطة . حتى إذا وصل لذكر خصائص الحضارة الأوروبية ذكر من بينها قلة الدين ، والاعتداد بالحياة الدنيا ، والنزعة الوطنية أو القومية (7) . وبذلك فإنَّ الفصل بين الدين والدولة ، وقيام الدولة على النزعة القومية ، تصبحان من خصائص أو أسس الحضارة الأوروبية ، وليس من خصائص الدولة الغربية وحسْب . أما حضارة الإسلام أو نُظُمُهُ فقد قامت على الربط بين الدين والدولة أو بين الدين وتدبير شؤون الناس العامة من خلال الشريعة .
ويمضي كـلٌّ من الإمام حسن البنا ، وعبد القادر عودة خطوةً إلى الإمام ، دون أن يتخطّيا النظامَ إلى الدولة ونظام الحكم أو إلى المقارنة بين الدولتين الإسلامية والغربية . فالإسلام في نظر البنا " نظامٌ شاملٌ يتناول مظاهر الحـياة جميعاً فهو دولةٌ ووطن … " أو هو " عبادةٌ وقيادةٌ ، ودينٌ ودولة ، وروحانية وعمل ، وصلاة وجهــاد ، وطاعة وحــكم ، ومصحف وسيف ، لا ينفكُّ واحدٌ من هذين عن الآخر …" (8) . وهذا الربط المحكَم بين الدين والدولة يعني في نظر البنا " أنّ الإسلام شريعةٌ ربانيةٌ جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية أُوكلت حمايتُها ونشرها والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها .. إلى الدولة . وإذا أَهملت شرائع الدولة هذه المهمة لم تَعُدْ دولةً إسلاميةً . وإذا رضيت الجماعةُ أو الأمة بهذا الإهمال ووافقت عليه ، لم تَعُدْ هي الأخرى أمةً إسلاميةً مهما ادّعت ذلك بلسانها " (9) . وهذا التحديد من جانب حسن البنا لطبيعة " الدولة الإسلامــية " يستتبعُ اختلافاً جذرياً مع " الدولة الغربية " لولا أنّ البنا يعودُ إلى التعميم باتجاه النظام والحضارة عندما يتحدث عن خصائص الدولة الإسلامية الموعودة أو التي كانت . يقول البنا إنّ الدولة الإسلامية تقوم على العدالة والحرية والجهاد (10) . والعدالةُ مبدأٌ داخليٌّ للتعامل بين الأفراد والدولة ، أما الحرية والجهاد فهما في مواجهة الخارج . وواضحٌ أنّ هذا التعميم يعيد الأمور إلى مرحلة النظام والمبادئ ذات الطابع الحضاري ، وليس السياسي .
ولا يتجاوز عبد القادر عودة في كتابه " الإسلام وأوضاعنا السياسية " (1950) مسألة " النظام العامّ " التي اهتمّ بها البنا إلى خصوصيات " نظام الحكم الإسلامي " التي وعد بالحديث عنها في مقدمة الكتاب . ومما يلفت الانتباه أنّ الأستاذ عودة نفسه كان قد أصدر عام 1947 كتاباً ضخماً قارن فيه بين القوانين الجنائية الغربية ، والفقه الجنائي الإسلامي ، توصل فيه إلى تحديداتٍ دقيقة في التفرقة بين النظامين القانونيين وخصائصهما ؛ لكنه عندما حاول ذلك في المجال السياسي بقي في حيز العموميات ،والتأصيل النصّي ، والشواهد التاريخية .
وقد يمكن تعليلُ هذه المرحلة في التفكير الإسلامي الإحيائي المعاصر (1925- 1950) بالطابع الأيديولوجي والجدالي الذي ساد فيها . ولـذلك غلبــت عليها العقائديات والعموميات ذات المنحى الثقافي والحضاري . فقد كان المراد الدفاع عن الهوية والخصوصية ، وصَون عقائد المسلمين من الاختراق الغربي . وكان السبيل لذلك الحملة على الغرب كلّه باعتبار حضارته حضارةً مادية ، واعتبار نُظُمه نُظُماً للغَلَبة والصراعات الغرائزية والإثنية والقومية . وبذلك حتى عندما يكون العنوان هو " الدولة " – كما في الجدال حول الخلافة – فإنّ الأمر يتخذ طابعاً عقائدياً . فقد عولجت مسألةُ الخلافة باعتبارها ركناً من أركان الدين – كما ذكر حسن البنّا (11) ، وصارت مبادئُها ، كما ذكر هو أيضاً حدوداً للنضال ضدّ الخارج . وإذا عنى ذلك أنّ طبيعة فكر الهوية طبيعةٌ اعتقادية ؛ فإنّ ذلك يعني من جانبٍ آخر أنه لم يكن لدى الإسلاميين الإحيائيين والحزبيين حتّى ذلك الوقت مشروعٌ سياسيٌّ بديلٌ للدولة الوطنية التي راحت تتكون وتظهر في حقبة ما بين الحربين . فالرفض الذي أعلنوه هو رفضٌ عقائدي وأيديولوجي بقي في حيّز المبادئ والنظام العامّ . لكنّ ذلك الرفض بالذات أعفاهم من تطوير مشروعٍ تفصيليٍّ لإدارة السلطة أو لإقامة الدولة الإسلامية
يتواصل
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات