عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

الشيعة والسنة: التوتُّر ومداه ومصائره 2

أرسل إلى صديق طباعة PDF
(*) لابن تيمية فتوى دعم فيها غزو الجيش المملوكي لمنطقة كسروان بجبل لبنان، والتي كان سكّانها من الشيعة، بحجة تآمُرهم مع بقايا الصليبيين(بقبرص). لكنني أُرجّح أنّ أولئك كانوا من الإسماعيلية، وفِرَق أُخرى، وليس من الإمامية الإثني عشرية؛ لأنه يعتبرهم من الباطنية، وأنه ليس في مناطقهم مساجد. وهاتان سِمتان لا تنطبقان على الإمامية.
إحياءٍ ديني شيعيٍ وسنيٍّ متوازيين ومتقاربين في البداية، طوال نصف القرن الماضي.

II
لا يصحُّ تجاهُلُ التاريخيات والمذهبيات في التوتُّر الحاصل خلال العقدين الأخيرين بين السنة والشيعة. لكنْ من المؤكَّد أنه لا علاقةَ لما يجري اليوم بما كان عليه الأمر بين العثمانيين والصفويين، أو بين الحنابلة والشيعة ببغداد في القرن الخامس الهجري. بل إنّ هذين الأمرين ( التاريخي والمذهبي) لا يمكن حسابُهُما في مجال الذاكرة، وإن أمكن احتسابُهُما في مجال الوعي، أي بعد حصول التوتُّر. وهذا ما انتقدْتُهُ على إدوارد سعيد (وعلى سائر القوميين والإسلاميين) الذين أعادوا أصولَ الصراع الحالي بين المسلمين والغرب إلى الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر الميلادي. وقد دلَّلوا على ذلك بأنّ الرئيس بوش ذكر " الحرب الصليبية" في مجال دفاعه عن تكتيكاته ضدّ "الإرهاب الإسلامي"،
كما احتجُّوا بإشاراتٍ كثيرةٍ في الإعلام العالمي. ثم إن إدوارد سعيد ( في كتابه: تغطية الإسلام) ما قال بالتواصُل التاريخي أو بالذاكرة في ذلك؛ كما فعل القوميون والإسلاميون؛ بل قال به في مجال الوعي. أي أنّ الأميركيين العاديين أو بعضهم يعُون الصراع الدائر باعتباره صراعاً بين الحق والباطل ، وبين المسيحية والإسلام. والذي أراه أنّ هذا الوعي ( إنْ كان) فهو مصطنَعٌ أو مستجدٌّ بعد اندلاع الصراع ، وهو الذي يستدعي الذاكرة والتاريخ صُوَراً وأوهاماً.. وحقائق. والشأنُ كذلك في التوتُّر بين السنة والشيعة؛ فهناك مَنْ يُعيدُهُ إلى حياة النبي(ص)، والحساسية بين أمّ المؤمنين عائشة والإمام علي. وهناك مَنْ يعيدُهُ إلى " يوم السقيفة" حين اختير أبو بكر ولم يُختر عليٌّ لرئاسة الدولة الجديدة، أو لخلافة النبي(ص). وأنا أسمع منذ أعوام الشاعر العربي المعروف أدونيس (= علي أحمد سعيد) يُعيدُ الخلَلَ في إدارة الشأن العام لدى العرب والمسلمين إلى " يوم السقيفة" ذاك بالذات! بينما يذهبُ باحثون عربٌ كثيرون إلى أنّ النمط الاستبداديَّ في القيادة إنما يعودُ إلى فكرة الخلافة ومؤسَّساتِها بالذات! وكلُّ ذلك ليس أكثر من جَلْدٍ للذات، وتجنٍ على التاريخ، وسوء فهمٍ للواقع.
أطلّت الأزمنة الحديثةُ على المسلمين السنة والشيعة، وقد خمدت الحروب بين العثمانيين وإيران، والنُخَب السنية والشيعية على تواصُلٍ وتوادٍّ كبيرين، وكثيرٌ منهم ثُنائيُّ اللغة أو ثُلاثيُّها ، أي أنه يُتقنُ الفارسية والتركية والعربية. ونعرفُ اليومَ أنّ إيرانيين كثيرين متلهفين للتواصُل مع التقدم الأوروبي في القرن التاسع عشر ومطالع العشرين، اعتمدوا في معارفهم عن الغرب على الترجمات من اللغات الأوروبية إلى التركية والعربية، وعلى ما كانت تنشره المجلات العربية الجديدة. ومعروفٌ التأثير الكبير الذي تركه جمال الدين الأفغاني الإيراني الأصل في سائر أنحاء العالم الإسلامي، دونما فرقٍ بين الأوساط السنية والأُخرى الشيعية. وقد صدرت أبحاثٌ كثيرةٌ وما تزال عن العلاقة بين طبائع الاستبداد للكواكبي، وتنبيه الأمة للنائيني. وما نزال نقرأُ عرباً وإيرانيين وأتراكاً كتب المسلمين الهنود الصادرة في القرنين التاسع عشر والعشرين، في الدفاع عن الإسلام، وفي التجديد، دون أن نستطيع التمييز بين السني والشيعي من المؤلّفين، وما عرفتُ إلاّ قبل سنواتٍ قليلةٍ أنّ رحمة الله الهندي صاحب كتاب "إظهار الحقّ"، وسيد أمير علي صاحب" روح الإسلام" و"حياة محمد" شيعيان. أمّا شبلي النُعماني ومحمد إقبال، فهما رائدان تجديديان لدى السنة والشيعة على حدٍ سواء. ولو قرأنا اليومَ تعليقات الأمير شكيب أرسلان على كتاب لوثروب ستودارد "حاضر العالم الإسلامي" الصادر بالعربية عام 1929، لوجدْنا أنه يذكر المجدّدين من الفقهاء والمفكرين لدى الشيعة والسنة في آسيا الوسطى وإيران والهند، دونما تمييزٍ لمذاهبهم أو أصولهم الدينية والعِرْقية. وكانت هناك فكرةٌ عند الشيخ محمد عبده مؤدَّاها أنه ينبغي الإفادة من تقاليد "الاجتهاد" عند الشيعة، لفتح "باب الاجتهاد" المُغْلَق عند السنة. وفي ثورة العشرين على البريطانيين بالعراق، تعاون العلماء الشيعة والسنة، كما تعاونت العشائرُ السنية والشيعية لمواجهة المستعمرين. وعندما ذهبتُ للدراسة بالأزهر عام 1965م وجدْتُ أنّ بين المقررات الفقهية والمنطقية في دروسنا بكلية أصول الدين ثلاثة كتب اثنان منها لزيديَّين، والثالث لإثْني عشري.
ولا يعني ذلك أنّ الأمور كانت كلّها على ما يُرام بين السنة والشيعة من الناحية الثقافية وحتى الاجتماعية. ففي مطالع الأزمنة الحديثة، كان هناك نهوضٌ سلفيٌّ بنجد وباليمن وبالهند. وحدثت إغاراتٌ وهّابيةٌ كما هو معروفٌ على بعض المزارات الشيعية بالعراق، وظهرت أدبياتٌ سجاليةٌ متبادلةٌ وردودٌ ونقائض. بيد أنّ ردود أهل السنة من أتباع المذاهب الفقهية على الوهّابية الأولى لا تقلُّ عنفاً عن الردود الشيعية عليها. وما وصلت تلك المجادلات إلى السلفية الهندية إلاّ في وقتٍ لاحق،؛ لكنها لعبت دوراً صغيراً لدى السلفيين المصريين في مطالع القرن العشرين. بيد أنَّ أولئك كانوا يهاجمون الشيعة في المسائل نفسها التي يهاجمون فيها تقليديي السنة من أتباع المذاهب الفقهية الثلاثة: الشافعية والأحناف والمالكية، أي زيارة القبور والتصوف والاحتفالات والموالد التي لم تَرِدْ بها النصوص. وقد بادر الشيعةُ والسنة، والشيعة قبل السنة، إلى تلافي تلك التبايُنات الطارئة بإنشاء جمعية التقريب بالقاهرة، والتي كان فيها علماء من الشيعة والسنة ، عملوا لأكثر من ثلاثين عاماً في شتى المجالات، من أجل فهمٍ متبادَلٍ، واعتبار التبايُنات اختلافاتٍ فروعية، وليس خلافاً يتسبَّبُ في التفرقة بين المسلمين. وكان أُستاذُنا بالأزهر الشيخ محمد أبو زهرة يحدّثنا عام 1968/1969 في دروس أصول الفقه عن اجتهادات المجتهدين الكبار بإيران والعراق، والتي استمع إليها، وعرف الكثير منها في جلساته معهم بالقاهرة إلى جانب الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر أواخرَ الخمسينات من القرن الماضي. وقد اشتهر عن الشيخ شلتوت إقدامه عام 1959 لأسبابٍ دينيةٍ وسياسيةٍ على اعتبار المذهب الجعفريّ مذهباً فقهياً خامساً إلى جانب المذاهب السنّية الأربعة يمكن تدريسُهُ بالأزهر. وكان من ضمن زملائنا بالمعهد الديني ببيروت(1960-1966) عددٌ من الشبان الشيعة، وذهب بعضهم معنا إلى الأزهر بمصر حيث اختاروا كلية اللغة العربية للتخصُّص العالي. وتزاملتُ بالأزهر (1966-1970) مع طلابٍ من الشيعةِ الإمامية من العراق وباكستان، وزيدية من اليمن، وعلويين من سورية وتركيا. وكانوا ينافسوننا على الولاء لمصر ولعبد الناصر. وكان واحدٌ منهم يحرص على التصريح بالانتماء للأشاعرة، في مواجهة السلفيين الذين بدأوا يظهرون بين الأساتذة والطلاب هناك في تلك الفترة.
إنّ هذا التواصل والامتزاج ما عاد ممكنَ الحدوث الآن. وقد رأيتُ في تسعينات القرن الماضي بضعة طلابٍ من أصولٍ زيديةٍ وإماميةٍ في معاهد دينية سنية، لكنهم كانوا قد اعتنقوا السلفية، كما رأيت عشرات الطلاب من أصولٍ سنيةٍ في معاهد وكليات بإيران، لكنهم كانوا قد تحولوا إلى التشيع الإمامي. ويدرس بالحوزات الشيعية في لبنان وسورية طلبةٌ من أصول سنية من لبنان وسورية ومصر وفلسطين والمغرب، لكنهم الآن شيعةٌ ملتزمون.
أمّا العوامل الأساسية للتأثير وللتغيير، ولدى الطرفين، في القرن العشرين فتمثلت في ثلاثة أُمور: ظهور الدولة الوطنية أو القومية الحديثة، واندلاع حركة الإحياء الديني لدى الطرفين، والحرب الباردة والسياسات الدولية خلالها وبعدها. وقد ظهر الإحياء القومي قبل الديني، ثم ما لبثا أنْ تداخلا مع غلبةٍ للثاني على الأول. لقد أكَّدت حركتا الإحياء على الهوية الخاصّة والطبيعة الأصلية لكلٍ من المذهبين. وللوهلة الأولى ما بدا أنّ الإحيائية الإسلامية الجديدة سوف تفرِّقُ بين السنة والشيعة. فنواب صفوي زعيم فدائيان إسلام ، كان صديقاً كبيراً للإخوان المسلمين المصريين. وحزب الدعوة الذي أُنشئ بالعراق في أواخر الخمسينات أفاد من أفكار وتنظيمات الإخوان المسلمين المصريين(*). بل إنّ أبا الأعلى المودودي الذي أنشأ "الجماعة الإسلامية" بالهند عام 1941، حرص على أن يكونَ بين كوادرها سنةٌ وشيعةٌ؛ لكنه ما لبث أن تخلَّى عن ذلك بالتدريج بعد قيام دولة باكستان وانتقاله إليها. كانت الإحيائيات الإسلامية الطهورية الطابع لدى الطرفين تتجه ضدَّ الغريب والأجنبي، ثم ضدّ الأنظمة المحلية في الدولة الوطنية. ولذلك ما أحسَّ أحـدٌ بالتوجُّس من الآخر في البداية. لكـنّ الذاتيات الخاصة بدأت بالظهور
------
(*) علمتُ من الرئيس هاشمي رفسنجاني والسيد الخامنئي أنهما انشغلا في ستينات القرن العشرين بترجمة بعض أدبيات الثورة الفلسطينية، وكتب سيد قطب صاحب مقولة "الحاكمية" إلى الفارسية. وقد اختار المرشد الأعلى للثورة الإسلامية بإيران السيد علي الخامنئي لكتابه ذي الأجزاء الثلاثة والمنشور بلبنان عام 2006 عنوان: حاكمية الإسلام بين النظرية والتطبيق.
والتبلور. وقد تبيّن لي في بحثٍ كتبتُهُ قبل عشر سنوات أنّ التطورات في القرن العشرين ( وقبل بروز الإحياء الديني لدى الطرفين)، في كلٍ من مصر وإيران، متوازية بل ومتشابهة(*).
سبق الإحياءُ القوميُّ لدى الإيرانيين والأتراك الإحياءَ القوميَّ عند العرب (لأن الهياكل القومية كانت قائمةً في دولةٍ لدى الطرفين). وعندما بدأ ذلك الإحياء لدى العرب، برز بين أعلامه المسيحيون من لبنان وسورية وفلسطين.. والعراق، والقوميون المتطرفون في إيران وتركيا. وقد اعتقد بعض هؤلاء ( وساندتْهم في اعتقادهم الدولةُ التي أقامها مصطفى كمال بتركيا) أنّ الدولة القومية العلمانية تؤمّن
المساواة والعدالة والتقدم، شأن ما حصل في أوروبا فـي القرنين الثامـن عشر والتاسع عشر. وقد أثار صعود العصرانيين لدى الإيرانيين ( أمثال حسن تقي زاده وكسروي) قلق الإحيائيين الإسلاميين الشيعة هناك. كما أثار ظهورهم لدى العرب (من أمثال فرح أنطون وشبلي شميّل وإسماعيل مظهر، وتيار واسع صريح ومضمر) قلق الإحيائيين السنة. بيد أنّ التوتُّر تبلور وتزايد وتمايَزَ ليس بسبب ظهور المتغرِّبين وقوة أُطروحاتهم في بنية الدول الوطنية الجديدة، بل لأمرين آخرين تسببت بهما تنظيمات الدولة القومية البازغة، والسياسات الدولية بالمنطقة. فمن جهة ظهرت خلافاتٌ على الحدود غيَّرتْ ما استقرت عليه الأمور تاريخياً منذ القرن السابع عشر. فقد تكوَّنت دولةٌ وطنيةٌ في عراقٍ جرى تركيبُهُ من ولاياتٍ عثمانيةٍ ثلاث، لم تحظ برضا الأتراك والإيرانيين على حدٍ سواء. وقد شكا العرب من استيلاء تركيا على اسكندرون العربية، واستيلاء إيران على الأهواز العربية، واستيلاء اليهود على فلسطين. وشكا الأكراد مـن أنه ما حُسب لهم حسابٌ في دولـةٍ رغم أعدادهم الكبـيرة في مناطـق متقاربة بتـركيا والعراق وسورية.. وإيران. وهناك مشكلات البنغاليين والبنجابيين والمهاجـرين الظاهرة بباكستـان بعـد الحرب الثانيـة، ومشكلات البلـوش بيـن باكستان وإيـران وأفغـانستان،
-------
(*) رضوان السيد: العرب وإيران، الدولة والإسلام والمجتمع المدني؛ في كتابي: سياسيات الإسلام المعاصر، بيروت 1997، ص ص 112-156.

ومشكلات الهزارة والطاجيك والأوزبك بأفغانستان.. الخ. والأمر الآخَرُ الذي أحدثه ظهور الدولة الوطنية كان تسلُّل الإحساس إلى فئات وأقليات ( منها المسيحيون والشيعة، ومنها الأكراد والبربر)، ورغم التغطية "القومية" أو بسببها، بالغُبن والانظلام ؛ وشأنهم في ذلك شأن السنة في الدول التي وجدوا أنفسهم أقلياتٍ فيها مثل الهند والفيلبين وتايلاند وبورما(ميانمار)... وحتى إيران. وصحيحٌ أن "الحرب الباردة" بين الجبارين ضمن النظام العالمي بعد الحرب الثانية، تشبّثتْ بالحدود الجديدة، وحاولت تجميد التوتُّرات، وتثبيت الولاءات الوطنية الطالعة بحسب الانضواء في أحد المعسكرين؛ لكنّ الفئات ذات البُعد الأقلّوي ظلّت تلتمسُ تحسيناً لأوضاعِها، إمّا من طريق المشاركة في التغييرات الداخلية، أو من طريق التماس العون ( ولو المعنوي) من الدول والمرجعيات التي تعتبرها الأقرب إليها. ولذلك فقد كان هناك تطلُّعٌ من الأتراك بقبرص مثلاً إلى تركيا، ومن جانب الشيعة بباكستان والبحرين ولبنان والعراق وأفغانستان إلى إيران.. الخ. وإذا عُدْنا إلى المسألة بين السنة والشيعة بعد هذا الاستطراد الطويل؛ نجد أنَّ هناك "ذاتيةً" شيعية ظهرت في الدول الجديدة ، وغالباً من أجل المساواة والمشاركة، وليس من أجل الانفصال ، وفي مناطق مثل العراق ولبنان والبحرين وباكستان وأفغانستان وتنزانيا ونيجيريا.. الخ. وقد شكّل هذا الوعي مزيجاً من الإحيائيات القومية واليسارية والدينية يقوم على "استعادة الهوية" الخاصة، وتطلُّب تبلورها سياسياً. وبالإجمال فقد غلبت القضايا الإثنية في حقبة الدول الوطنية الأولى، والتوترات الأيديولوجية اليسارية في زمن الحرب الباردة، والمشكلات الدينية في حقبة الإحياء الإسلامي، دون أن يخمد البعد الإثني والقومي الأول كلياً.
إن قيام الثورة الإسلامية في إيران لا تنحصر أسبابه بذلك طبعاً. بيد أنّ الإحياءَ الإسلاميَّ ، وقد تعددت أسبابُهُ واجتياحاتُه، يحاولُ منذ عقودٍ وعند السُنّة والشيعة جَرْفَ الدولة الوطنـية التي قامت بالمشرق قـبل قُرابة القرن؛ وقد تمكّن من ذلك فـي إيران عام 1979 حيـن سقطت تلك الدولةُ في خضمِّ ثَوَرانٍ هائل،

ولصـالح المؤسسة الدينية التقليدية(*). ولأنه إحيـاءٌ إسلاميٌّ شيعيٌّ بالدرجة الأُولى – وليس إحياءً قومياًَ إيرانياً- فقد ترك آثاراً هائلةً على سائر الأقليات (والأكثريات) الشيعية في العالمين العربي والإسلامي والتي كانت تتطلع إلى إيران، على نحوٍ ما، حتى أيام الشاه كما سبق ذكره.

III
في الإسلام، كما في الديانتين الإبراهيميتين الأُخريين، اتجاهان كلاميان(لاهوتيان): اتجاه التنزيه والعدل، واتجاه الرحمة والعناية والفضل. والمعتزلةُ هم قـادةُ الاتجاه الأول (والذي يقال إنّ المؤسِّس واصل بن عطاء تأثر
فيه بالإمام زيـد بن علي بن الحسين)، وقـد تبعهم في ذلك الزيدية والإمامية الإثنا عشرية. أما الاتجاهُ الآخَرُ، أعني اتجاه الرحمة والعناية ( الإلهية) فهو اتجاهُ أهل السنة والجماعة. ويذكر مؤرّخو علم الكلام لزوال المعتزلة أسباباً بينها ضغوطُ الأشعرية السنية؛ لكنني أحسبُ أنّ علّةَ ذلك افتقار المعتزلة للجاذبية بين العامة، بسبب انشغالهم بمسألة العدل الإلهي، في تأكيدٍ على ما يشبهُ الصراعَ بين الله والإنسان، ثم عدم متابعتهم لأُصـولهم الأولى، وبينها أصلُهُمُ الخامس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما في التشيُّع فإنّ العدل اتخذ منحىً إنسانياً وسياسياً بالدفاع عن حقّ أهل البيت، إضافةً للبُعد الديني العميق في مبدأ أو أصل الحقّ الذي يُواجهُ الباطل، ثم العقيدة الخلاصية المتمثلةُ في "الغيبة". والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً مرةً أُخرى بالحقّ الذي لا بد أن ينتصر على الباطل في النزوع المهدوي، مهما طال الزمان - وبالعدل المطلَق الذي تُنجزُهُ عودةُ الإمام: " الذي يملاُّ الأرضَ عدلاً كمـا مُلئت ظُلْماً وجَوراً ". وكما لا يمـكن تفسيـر التاريخ أو
------
(*) قمت قبل أعوام بترجمة كتاب روي متحدة: بردة النبي، الدين والسياسة في إيران، ونشر للمرة الأولى بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة(2004)، وللمرة الثانية ببيروت عام 2007. وهو مفيدٌ جداً في فهم تركيبة الشخصية الإيرانية، وأسباب تمكُّن رجل الدين الإيراني من الوصول إلى السلطة.

التجربة التاريخية للجماعات والأُمَم بالعقائد وحدَها أو بالتبلورات القومية وحدها؛ فكذلك لا يصحُّ اعتبارُ التجربة التاريخية أو العقيدة الشيعية لدى الإمامية مفتاحاً وحيداً لفهم السايكولوجيا الجماعية للشيعة (هل توجد سايكولوجيا جماعية؟!)، وإن لم يمكن تجاهُلُها. فالمظلوميةُ الناجمةُ عن مقتل الأئمة، وعدم قدرة أوائلهم (باستثناء الإمام علي) على الوصول إلى السلطة، ثم الاضطهاد الذي لاحق الجماعات الشيعية في حقبة نشوئها الأولى؛ كلُّ ذلك استقرَّ في الذاكرة والوعي، وتمثّل شعائرياً في طقوس التعزية الحسينية لدى الإمامية، ، التي هدفُها إيقاظُ ذاكرة المآسي، من طريق الوعي الواعي، حتى في إيران التي أنجز الشيعةُ دولتَهم فيها قبل أكثر من أربعة قرون. وهكذا فقد أصبحت شعائر التعزية وطقوسها- بغضّ النظر عن وقائع الحياة السياسية والاجتماعية- ولدى العامة وسيلةً رئيسيةً (واعية أحياناً وغير واعيةٍ أحياناً أُخرى ، لكنها عميقة المغزى في كل الحالات) للحفاظ على خصوصية الجماعة وتمايُزها ووحدتها الشعورية واللاشعورية. ولأنّ ذلك يقترن بيقينية عقيدة الحقّ( الذي يعلو على العدل أحياناً ويوازيه أحايين)، وعقيدة الغيبة المرتبطة به؛ فإنّ ذلك يُصيِّر الشيعة الإمامية والفرَقَ الدينية في سائر الأديان ذات الصبغة الخلاصية، وفي أزمنة التحولات الروحية الكبرى (والإحياء الإسلامي، والآخر البروتستانتي، هما الأكثر دلالةً وثوراناً في العالم اليوم)، إلى ما يشبه الأحزاب الصلبةَ، وبخاصةٍ إذا توافرتْ لها قيادةٌ كارزماتيةٌ قوية، وأحاطت بها حواجزُ وعوائقُ وموانعُ وعداواتٌ وتوجُّساتٌ ، كما حصل مع الثورة الإسلامية في إيران. فالذاكرة الموقَظة الملتاعةُ والغاضبة لا تُحاسِبُ نفسها بل الآخر، وهي لا تعتمدُ في ذلك على الأحداث التاريخية التي تُستعادُ أبداً فقط؛ بل وتبحثُ عن الخصوم الحاضرين والظالمين القائمين، تثبيتاً ليقينها، ولكي يظلَّ الشرُّ متجسداً أو قريباً من التجسد في الواقع كما هو في الوعي. والمأساوي أنه في لحظة الذروة لهذه التطورات بإيران(1978-1980)، والوعي الخصوصي والخلاصي الشيعي في أقصى درجات توتره، وقد صارت الولاياتُ المتحدةُ الشيطان الأكبر، شنّ صدَّام حسين حربَهُ الصاعقةَ عليها، فأيقظ ذلك تحليلاتٍ حديثة الطابع ( التآمُر مع الولايات المتحدة)، وأحاسيسَ ووعياً عميقاً في الذاكرتين القومية (الفتح العربي لإيران، وكراهية الشعوبيين القُدامى للعرب والإسلام) والدينية (السنة ضد الشيعة). وكأنّ ذلك كلَّه ما كان كافياً، إذ انصرفت الدعايةُ العراقيةُ وغير العراقية، والقومية والسلفية للتنديد بالفرس (المجوس)، وبالشيعة (العقائد السرية الباطنية، والقول بتحريف القرآن، وشتم الصحابة). وليس المهمّ كم صدَّق الجمهور العربيُّ (السني) ذلك ؛ بل المهمُّ الأَثَرُ الذي خلّفتْهُ في نفوس الإيرانيين (وبين مثقفيهم كثيرون يعرفون العربية)، وفي نفوس الشيعة العرب، ومنهم الكثرةُ العراقيةُ التي استقرَّ في وعيها أنّ النظام يمارسُ في حقّ عامِتها تمييزاً مزدوجاً: باعتبارهم شيعة، وباعتبارهم عراقيين.
وما وقفت القيادةُ الثورية الإيرانية مكتوفةَ اليدين، أمام هذا التحدي الملحمي بينها وبين العرب، وبينها وبين الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي هاجم فيه صدَّام حسين دولةَ الثورة الإسلامية، صدر الدستور الإيراني الجديد، الذي يقيمُ نظام "ولاية الفقيه"؛ أي يُسبغ على الدولة البازغة طابعاً ثيوقراطياً مهدوياً، وظهرت تنظيمات الباسيج والباسدران والحرس الثوري للدفاع عن"دولة التمهيد" الحقّ، واحتجز طلبة "خطّ الإمام" الدبلوماسيين الأميركيين في السفارة الأميركية (وكر الجواسيس) بطهران، وأقبل مئاتُ ألوف المتطوعين إلى الجبهة المستعرة مع العراق، وبينهم ألوف سيقضون أثناء اندفاعهم لاقتحام حقول الألغام العراقية، ليبلغ ضحايا الحرب من الطرفين حوالي المليون، أكثرهم من الشيعة- دون أن ينسى الإمامُ الخميني اشتراعَ يومٍ للقدس، حطاً على العرب الذين تركوا القدس وفلسطين لمصيرهما، ومضوا لمقاتلة إيران!
بيد أنّ الأبرزَ والأكثر لفْتاً للانتباه (وهو أمرٌ ما جرى التنبُّهُ إليه إلاّ بعد سنواتٍ طوال) طرائق إيران في عصر ولاية الفقيه( بل طريقتها لأنها واحدة) في التعامُل مع الشيعة خارجَها، في ديار العرب والإسلام، وفي العالم الأَوسع. فهي ما اكتفت بكسْب تأييد هؤلاء وحماسِهِمْ (ومعهم كثيرون من شبّان السنّة) ، باعتبارها مرجعيةً شيعيةً وثورية. بل اقتضت دعوى القيادة الأَوحد للشيعة في العالم من خلال ولايـة الفقيه (وليس باعتبار نظامها نظاماً شيعياً وحسب كما في أيام الشاه)، إقامةَ تنظيماتٍ داخلَ كلّ الجماعات الشيعية في العالم، تتبع الوليَّ الفقيه في

المسائل الدينية والحياة الشخصية والعامة. وقد تحولت تلك التنظيمات في البلدان التي تنتشر فيها الفوضى مثل لبنان وأفغانستان إلى تنظيماتٍ مسلَّحةٍ؛ في حين بقيت سريةً في أكثر البلاد الإسلامية، مع التمايُز في أُسلوب الحياة، وانتشار التذمُّر في صفوفها، والمناكفات مع الأنظمة القائمة؛ وبخاصةٍ تلك التي ما كانت علاقتُها بالنظام الجديد في إيران جيدة بسبب علاقتها بالولايات المتحدة، أو دعمها للعراق في الحرب عليها. كما أنّ النظام الثوريَّ الإيرانيَّ أنشأ واستقبل أو دعم تنظيماتٍ معارضة( ما كانت شيعيةً كلَّها) من البلدان العربية والإسلامية استخدمها فيما بعد في الجهات الأكثر إزعاجاً لخصومه ومناوئيه( من مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة بالعراق، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الوحدة في أفغانستان، وفي العقد الأخير: حركة حماس).
وعندما انتهت الحرب العراقية-الإيرانية عام 1988 وتوفّي الإمامُ الخميني بعدها بقليل، بدا أنّ الأمورَ بين السنة والشيعة، وبين العرب والإيرانيين هدأتْ بعض الشيئ. فالعراق تلقّى ضربةً قاسيةً جداً على أثر مهاجمته للكويت. والسيد الخامنئي( الذي خَلَفَ الخميني في منصب المرشد الأعلى للثورة، الولي الفقيه) والرئيسان رفسنجاني(8 سنوات)، وخاتمي(8 سنوات) اتجهوا جميعاً للعضّ على الجُرح، وإعادة البناء، والانفتاح على دول الجوار، وعلى العالم. وبُذلت جهودٌ كبيرةٌ من جانب العرب والمسلمين الآخرين، ومن إيران، لتجاوُز آثار وعقابيل النزاع الذي اتّخذ وجوهاً عدَّة. وباستثناء مصر؛ فإنّ العلاقات العربية- الإيرانية الرسمية، والعلاقات الإيرانية- الإسلامية الرسمية تحسنت واستمرت في التحسُّن بالفعل. لكنْ إلى جانب العلاقات الرسمية استمرت التنظيماتُ الشيعية والأخرى المدعومة من إيران في العمل والفعالية. وقد نبّهت إلى استمرار التنازُع والتوجُّس بعضُ الأحداث هنـا وهناك وفي العالمين العربي والإسلامي. وتمثّلت في التنافُس



بين إيران والسلفيين(*) في المجال الجديد بجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز، وهواجس وشائعات "تشييع" العوام السنة في بعض النواحي والمناطق أخيراً(**)، وفي دورات العنف بين المتشددين السنة والشيعة في باكستان، وفي عودة التوتر بين السنة والشيعة على أثر صعود طالبان في أفغانستان، وحوادث متفرقة أُخرى بين الجاليات الإسلامية ببلدان المهاجر، إذ انقسم هؤلاء إلى سنةٍ وشيعة تصارعوا على المساجد، وعلى العلاقة بدول المهاجر. فالذاتيةُ الشيعيةُ التي بدأت قبل الثورة الإسلامية الإيرانية ، وخارج إيران، بصورة تطلُّب هويةٍ خاصّة، تبلورت بعدها في انفصالٍ وانقسامٍ عاموديٍ ما اقتصر على الفئات المتدينة على النمط الجديد من الفريقين، بفعل التشدد السلفي لدى بعض أهل السنة، والعلاقة الولائية بإيران لدى كثرةٍ من الشيعة.
وكانت الإحيائية الإسلاميةُ الأُخرى، أعني السنية( المطعّمة بالسلفية)، وفي الوعي وليس في الواقع، بين أسباب عودة التوتُّر إلى الاندلاع بين السنة والشيعة؛ وإنْ بشكلٍ غير مباشر ، بعد أن تهيأت أرضيتُه وأسبابُه. فالإسلامُ السياسيُّ السني الذي تبلورت إليه تلك الإحيائية، وبخلاف الإحياء الشيـعي، ما استطاع الوصولَ إلى السلطة في دولةٍ سنيةٍ رئيسية. بيد أنَّ تَوْقَهُ لذلك ما توقَّف أو خبا. ويكونُ علينا أن لا ننسى أنّ الرئيس المصري أنور السادات سقط برصاص جهاديي الإحيائيين السنة عام 1981، أي بعد عامين على وصول الإحيائيين الشيعة للسلطة بإيران. ولخالد الإسلامبولي شارعٌ باسمه في طهران حتى اليوم؛ لأنّ الإسلاميين الإيرانيين ما نسُوا إيواءَ الرئيس السادات للشاه محمد رضا بهلوي بعد مغادرته لإيران، وعدم إلْجائه بالولايات المتحدة! وفيما عدا الاشتراك في الرؤية
يتواصل
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات