عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

الشيعة والسنة: التوتُّر ومداه ومصائره

أرسل إلى صديق طباعة PDF
يسودُ التوتُّر العلاقات بين السنة والشيعة في أرجاء مختلفة من العالم الإسلامي، ويبلُغُ في قوته ومَدَياته حدودَ القول إنه الموجةُ التاريخيةُ الثالثةُ في هذا السياق. والذي أقصِدُهُ أنّ التجربةَ التاريخية للعلاقة بين الفريقين مرت من قبل بحقبتي توتُّر كبيرتين، وهما الحقبة الواقعةُ بين القرنين الرابع والسابع للهجرة، والحقبة الواقعةُ بين القرنين التاسع والحادي عشر للهجرة. ونعيش خلال النصف الأول من القرن الخامس عشر الهجري، حقبة التوتر الثالثة والحاضرة.
في الحقبة الأولى، كان الصراع تكوينياً ومتشابكاً إذا صحَّ التعبير. فقد كان القرن الرابعُ قرناً شيعياً بامتياز سادَ فيه الفاطميون بالمغرب ثم بمصر والشام، وسيطر فيه البويهيون الشيعة على شرق العالم الإسلامي وصولاً إلى بغداد مقر الخلافة العباسية. ومن الناحية الفكرية والفِرَقية؛ فقد كان الفرعُ الإثنا عشري من التشيع في طور التكوين إلى جانب وفي تجاذُب مع الفريقين الشيعيين الآخَرين البارزين آنذاك : الإسماعيلي، والزيدي. أما السنة فقد كانوا أيضاً في حقبة تكوُّن من الناحية الفكرية والدينية.
وأقصِدُ بالتكوُّن التمايُز العَقَدي بين الأشعري والأشعرية من جهة، والحنبلية والسلفية وأهل الحديث من جهةٍ ثانية. ولذلك فقد كان للصراع التاريخي ذاك بُعْدان: بُعْدٌ داخليٌّ في قلب الجانبين الشيعي والسني بدار الإسلام. وبُعْدٌ اشتباكيٌّ بين السنة والشيعة. تمثَّل البُعْدُ الداخليُّ للصراع بين الشيعة في بروز تيارٍ جديدٍ تقومُ عقيدتُهُ الخلاصية على انتظار ظهور الإمام المهدي بعد دخوله في الغيبة الكبرى، والتفكير في الآليات الضرورية والمؤقتة للقيام على مسألتين: إدارة شؤون الجماعة، وانتظار عودة الإمام والتمهيد له. وقد كان طبيعياً والمذهبان الإسماعيلي والزيدي قائمان في دولتين بأئمتهما ومتكلميهما وفقهائهما؛ أن يمثّلا التحدي الأبرز للإثني عشرية. أما الخصومةُ مع السنة فقد بدأت وقتها في بلاط عضُد الدولة البويهي ، وقد كانت فكريةً وكلامية. كما ظهرت في مناطق ومدن ظهور التشيع الإثني عشري حيث كانت هناك كثرة سنية أو شيعية مثل بغداد وحلب ونيسابور وبيهق. وما تطورت خصومةٌ فكريةٌ مع الإثني عشرية في القرن الخامس الهجري حيث صعد الإحياء السنّي، وتبلورت الأشعرية؛ بل ظلَّ الصراع الفكري والسياسي والعسكري السنّي مع الإسماعيلية التي سقطت دولتُها في خضمّ الصراع بين الدول السنية والصليبيين. وهكذا فطوالَ حوالي الثلاثة قرون بين الرابع والسابع للهجرة، تتحدث النصوص التاريخية، وتواريخُ المدن عن صِداماتٍ في الأحياء والنواحي بين السنة والشيعة(الإثني عشرية)؛ لكنّ الجدالات ضدَّ فكرة "غيبة الإمام" وضدَّ ربْطها بالمهدي القائم في آخر الزمان، ظلّت تجيءُ في الأساس من جانب الإسماعيلية والزيدية. وما تنبَّه لها الأشاعرةُ (والماتُريدية) إلاّ بعد القرن السابع الهجري.
ومع ذلك فقد كانت الحقبة الأولى للصراع هذه حاسمةً لثلاث جهات: أنها المرة الأُولى التي يقالُ فيها من جانب المؤرّخين إنّ هناك صراعاً شيعياً/ سنياً، أو بين الخلافة والإمامة. وأنها المرةُ الأولى التي تعلنُ فيها الدولةُ العباسيةُ عن نفسها باعتبارها دولةَ أهل السنة والجماعة (العقيدة القادرية)، وأخيراً لأنّ الإسماعيلية(والزيدية) شهدوا انحساراً كبيراً بين القرنين الخامس والسابع بحيث زالت الدول الإسماعيلية(بالمغرب ثم بمصر واليمن)، وظهر تيارٌ مهدويٌّ في قلب الزيدية نفسِها(= الشيعة الحسينية)، كما زالت دويلاتهم بالديلم وطبرستان، وتضاءلت باليمن. وبدا ذلك لأول وهلةٍ باعتباره انتصاراً لأهل السنة ( وليس للعباسيين الذين استمرت دولتُهم في التراجُع بعد استفاقةٍ قصيرة)؛ لكنّ الظهور الإثني عشري أفاد من تراجُع الزيدية بطبرستان وارتباكهم باليمن، كما أفاد أكثر من انحسار الإسماعيلية وانقسامهم. والواقعُ أنّ عقيدة "الغيبة" – وهي فكرةٌ خلاصيةٌ قويةٌ- وممارسة التقية أنقذتا التشيُّع كُلَّه، بعد أن بدا الفاطميُّ والزيديُّ باعتبارهما حاكمين عاديين لا يختلفان كثيراً ولا قليلاً عن الخليفة العباسي، ولا تتوافرُ فيهما- رغم تحدُّرهما من سُلالة النبي(ص)- أية خصوصياتٍ مهدوية. وزاد الطينَ بلّة ظهور القرامطة ثم ظهور راديكاليي الإسماعيلية (=الحشاشين) الذين روّعوا الأجزاء الشرقية ثم الشامية من ديار الإسلام.
أمّا الحقبةُ التاريخية الثانيةُ في الصراع فقد بدأت في القرن الثامن الهجري. وكانت الخلافةُ العباسيةُ قد سقطت على يد المغول، وقامت الدولةُ الإيلخانيةُ/ المغولية شرق الفرات وعبر الهضبة الإيرانية، وصولاً لآسيا الصغرى من الناحية الثانية ، كما قامت الدولة المملوكية في غرب الفرات بالشام ومصر ؛ وعملت كلاهما على ملء الفراغ الجيوسياسي (والإيديولوجي) الذي أحدثته الغزوات والحروبُ الصليبيةُ والمغوليةُ، والانحسارات والمتغيرات السالفة الذكر من الحقبة السابقة والتي انتهت في القرن السابع الهجري بسقوط الخلافة العباسية ببغداد.
بادر المماليكُ على أثر سقوط خلافة بغداد عام 656هـ/1258م إلى استجلاب أحد أبناء الأُسرة العباسية إلى القاهرة حيث أعلنوه أميراً للمؤمنين، وأكملوا زعامتَهم للإسلام السني بالاعتراف بالمذاهب السنية الأربعة مع تقديمٍ للمذهب الحنفي؛ لأنّ المماليك ( الأتراك) كانوا من الأحناف. أما الإيلخانيون الذين بدأ الإسلام يتسلل إلى صفوف أُمرائهم ( وعلى المذهب السني) فقد وقعوا في حيص بيص. إذ إنهم كانوا بين أحد خيارين: إمّا أن يُزيلوا الدولة المملوكية ويحتضنوا العباسيين من أجل المشروعية، وإمّا أن يعترفوا بالخليفة العباسي بالقاهرة، فيصبحون في المنزلة الثانية بعد المماليك في مسألة حماية الإسلام السني وخلافته. ولأنهم عجزوا عن إسقاط الدولة المملوكية بعد عدة حملات ؛ فقد آثروا خياراً آخَرَ تماماً وهو اعتناقُ المذهب الإمامي الإثني عشري، فأبدعوا بذلك تقليداً جديداً لاءَمَ عدة سياقات: أظهروا إمكان إقامة دولة شيعية رغم استمرار غياب الإمام، وتوافق ذلك مع مصلحتهم إذ لن يخضعوا لمرجعيةٍ حاضرة ، وتوافقَ ذلك مع مطامح الإداريين والمثقفين الإيرانيين شبه القومية (عاد اسم إيران زمين – أي بلاد إيران- إلى التداول في سجلاّت الدولة) ؛ وبخاصةٍ أنّ المذهب الإثني عشري كان قد كسب وقتها نصف السكّان بإيران والعراق. ثم إنّ الفقهاء الشيعة الذين كانت سلطتُهم أو ولايتُهم قد شملت إدارة الشأنين الديني والاجتماعي للجماعات الشيعية في غياب الإمام، رأَوا إمكانَ الإسهام في المهمة الأُخرى دون الانغماس فيها بأنفُسهم وهي إقامةُ دولة التمهيد (انتظاراً لعودة الإمام أو ظهوره). ومع أنّ سلاطين الإيلخانيين لم يثبتوا جميعاً على المذهب لأنّ عدداً منهم عادوا إلى التسنُّن ( تحت وطأة إقبال أقربائهم بآسيا الوسطى وأفغانستان وشبه القارة الهندية على التأسلُم والتسنُّن) ؛ فإنهم فتّحوا الإمكانيات السالفة الذكر، فصار المسرحُ مهيئاً لأول مرةٍ لصراعٍ على مستويين: المستوى الجيوسياسي والجيواستراتيجي من جهة، والمستوى الديني والاعتقادي من جهةٍ ثانية. في الحقبة الأولى التي استعرضْناها ما كان الدينُ أو المذهبُ عنصراً أساسياً؛ إذ إنّ الفاطميين والزيدية إنما ظهروا على أرضٍ عباسية. وكانت الدولة العباسية تُصارعُ لاستعادة أراضيها من الدويلات التي تكاثرت، مستعينةً في الصراع بالأُمم الإسلامية الأُخرى التي أقبلت على الإسهام، إلى جانب العرب والفُرس والديلم. وكان أبرز تلك الأُمم: الشعوب التركية التي اعتنقت بالإجمال المذهبَ السُنيَّ واتّخذتْ من الخلافة العباسية(التي صارت سنّيةً فعلاً بالمصلحة ثم بالانتماء) غطاءً في صراعها على السلطة في دار الإسلام، مع الآخرين، وفيما بينها. وهكذا فقد جاء العاملُ الديني في الحقبة الأُولى لاحقاً على العامل السلطوي والسياسي، وما كتب أبو حامد الغزالي كتابه: " المستظهري في الرد على الباطنية" ( الإسماعيلية) إلاّ أواخر القرن الخامس الهجري. أمّا في الصراع الإيلخاني / المملوكي؛ فإنّ العاملين الجيوسياسي والديني تَسَاوقا وتَوازَيا، وإنْ ظلَّ العامل الأولُ أَظهَر؛ لأنّ الصراع بدأ في الواقع بين الإيلخانيين والمماليك قبل اكتشاف إمكانيات العامل الديني، ولأنّ الفريقين السني والشيعي، كانا ما يزالان على امتزاجٍ شديدٍ في الشام وإيران والعراق، وأخيراً لأنّ الشيعة أنفُسَهم، ما كانوا قد اعتادوا على فكرة " دولة التمهيد" ( السابقة على ظهور الإمام)، بعد أن أخلدوا لشيئٍ من الهدوء على أثر عواصف الفاطميين والقرامطة والحشاشين، وإيثار المسالمة والتقية في التعامل مع الجمهور، ومع السلطات.
وعلى أيّ حال ، فقد كتب العلاّمةُ الحلّي (في مطالع القرن الثامن الهجري) كتابه المشهور: منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، فردَّ عليه ابن تيمية من الشام ومصر بكتاب: منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقَدَرية ( والمقصود بالقَدَرية في العنوان: المعتزلة). يهتمُّ الحلّيُّ بالتدليل بالعقل والنقل على الأصل النبوي للإمامة، وتسلسُل الأئمة بالنص وليس بالتوريث، وعلى الغيبة باعتبارها حَدَثاً هائلاً يؤسِّس لخلاص الأمة والعالم أو أنّ مصيرهما يرتبط بذلك. ومع أنّ الحلّيّ لا يقول شيئاً عن كيفية السلوك في عصر الغيبة؛ لكنّ المفهوم أنه يترك ذلك للفقيه، صاحب السلطة في دراسة كل حالةٍ على حِدَة. وكان الشريف المرتضى (في القرن الخامس الهجري) قد رأى إمكانَ العمل مع السلطان العادل، واعتُبر ذلك وقتَها إذناً بالمُسالمة والصبر على الجور واللاشرعية في عصر الغيبة والتقية. ومعروفةٌ الطُرفة المنسوبة إلى ابن طاووس أمام هولاكو حين آثر الكافرَ العادلَ على المؤمن أو المسلم الجائر. أمّا في السياق الذي كان الحلّيُّ يكتب فيه؛ فإنّ السلطان الشيعيَّ ، يبقى طبعاً سلطاناً غير مكتمل الشرعية؛ لكنّ شرعيته أو نُصرته وليس طاعته فقط؛ لا تستندُ إلى عدله وحسْب ؛ بل إلى إيمانه بحقّ أهل البيت، وانتظاره مثل الجماعة الشيعية تماماً صاحبَ الزمان لكي يسلّمه مقاليد الأمور، مكتسباً من الفقيه بهذا الاستعداد، شـرعيةً إضافيةً باعتباره وكيلاً مؤتمناً على "دولة التمهيد". أمّا ابنُ تيمية، والذي كان عارفاً بعقيدة الغيبة، لكنه لم يكن واعياً لآثارها المحتملة على المستوى السياسي؛ فإنه آثر الردَّ والنقضَ على أمرين: عقيدة الإمامة أُصولاً وفروعاً، وعقيدة الغيبة لدى الشيعة، والأمر الآخر: العقائد المعتزلية في التنزيه والصفات وخَلْق أفعال الإنسان مع أنّ المعتزلة ( الذين من ضمن أُصولهم نفي القَدَر) كانوا قد انقرضوا تقريباً (وانتهى القدرية الأوائل في القرن الثاني) ؛ لإيمانه بأن الشيعة يعتنقون الآراء المعتزلية أو يستندون إليها في التدليل على أجزاءَ من مذهبهم في وجه أهل السُنة. أمّا الإيلخانيون أنفسُهم فقد اختار لهم ابن تيمية مصيراً آخَر، عندما اعتبر أنهم ما يزالون على كفرهم (كانوا شامانيين، أي بوذيين في الأصل)، مستدلاً على ذلك باستحلالهم للكثير من المحرَّمات، وبمحاربتهم الدائمة للمسلمين (المماليك وشعوب مصر والشام)؛ وهذا ما صرَّح به الرجل في رسالته "إلى السلطان الملك الناصـر في شأن التتار".
وما اعتبرتُ خمودَ الصراع بين الإيلخانيين والمماليك نهايةً لهذه الحقبة؛ لأنّ الانزياحات الشعبية والجغرافية/ السكانية بين الطرفين استمرت بإيران وبالعراق وبخراسان وأذربيجان ومناطق آسيا الوسطى الأخرى وشبه القارة الهندية. وكان يمكن للأمر أن ينحسم لصالح الشيعة في شرق العالم الإسلامي على الأقلّ، لولا ظهورُ العثمانيين، قبل ظهور الصفويين بإيران. والصفويون هم الدولةُ الشيعيةُ الخالصةُ الأولى، التي خاضت حروباً دفاعيةً في مواجهة العثمانيين على مدى أكثر من قرن، وغُلبت مراراً، كما غُلبَ القاجاريون من بعدهم(*)، وما خمد الصراع وهدأ على دَخَن إلاّ في مطلع القرن الثاني عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي. وخلال ذلك الصراع العسكري والاستراتيجي على المجالات والموارد والمنافذ، والبشر، والذي استمرّ زُهاء القرنين ونصف القرن، وخلف خراباً وانزياحاتٍ سكّانية لا تقلُّ هولاً عن الحروب المغولية وحروب تيمورلنك، اكتملت الأدبياتُ المذهبية الجدالية النابذةُ والناقضةُ بين الطرفين، والتي لم يُضف عليها السلفيون، من مريدي طهورية ابن تيمية وتلامذة ابن عبد الوهاب، كثيراً في الأزمنة الحديثة والمُعاصرة. وقد بلغ من هول الصدام وتأثيراته العقائدية والاجتماعية أنّ نادر شاه الأفغاني الذي حكم إيران لمدةٍ قصيرة، لم ير حلاًّ للنزاع المستشري إلا بالتوحيد بين السنة والشيعة، ولذلك جمع- وهو السني بالوراثة – فقهاء الطرفين وناقشهم وضغط عليهم، دون أن يتوصل لشيئ!
إن هذه الحقبة الطويلة من الصراع والمعارك العسكرية ( بين القرنين الثامن والحادي عشر الهجري ،والرابع عشر والسابع عشر الميلادي) حدَّدتْ في الحقيقة الخطوط الاستراتيجية للإسلام الشيعي، وليس للإسلام السني. فقد انحصر الإسلام الإثنا عشري بإيران وجوارها، مع صمود جيوبٍ شيعيةٍ في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي باستثناء جنوب شرق آسيا. وما تغيَّر المشهدُ كثيراً في عصر الاستعمار، ولا فيما تلاه، حتى كانت الثورةُ الإسلاميةُ في إيران، على أثر اندلاع
-------
(*) لابن تيمية فتوى دعم فيها غزو الجيش المملوكي لمنطقة كسروان بجبل لبنان، والتي كان سكّانها من الشيعة، بحجة تآمُرهم مع بقايا الصليبيين(بقبرص). لكنني أُرجّح أنّ أولئك كانوا من الإسماعيلية، وفِرَق أُخرى، وليس من الإمامية الإثني عشرية؛ لأنه يعتبرهم من الباطنية، وأنه ليس في مناطقهم مساجد. وهاتان سِمتان لا تنطبقان على الإمامية.
إحياءٍ ديني شيعيٍ وسنيٍّ متوازيين ومتقاربين في البداية، طوال نصف القرن الماضي
يتواصل
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات