عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

القوى اليسارية والتقدمية ومكانتها في ثورات الربيع العربي

أرسل إلى صديق طباعة PDF

تجتاح العالم العربي من محيطه إلى خليجه، موجات من الاحتجاج والاعتصام، والمسيرات الضخمة الحاشدة، مواجهات سلمية ودامية مليونية وألفية، بشعارات متنوعة في مقدمتها إسقاط نظم الاستبداد والقهر، ومواجهة فساد الحكم والمال.

الملايين من البشر المتعدد الانتماءات والأعمار والمصالح تقاطرت إلى الميادين العامة في تلك العواصم، في المدن والقرى، معبرة عن رفضها لأنظمة الفساد والتبعية للولايات المتحدة الأمريكية وللرجعية النفطية العربية، ولحكم العسكر، ومطالبة بحكومات مدنية منتخبة، وبوضع دستور جديد يلبي حاجات الناس المعيشية والديمقراطية، وإسقاط الرؤساء والحكومات التي نهبت خيرات الوطن، وفرطت باستقلاله السياسي والاقتصادي، وسلبت كرامة مواطنيها، وتعدت على حقوقهم العامة والخاصة، وسعت لتوريث الحكم .

لم يعرف التاريخ الحديث والمعاصر مثل ضخامة الجماهير التي شاركت في هذه الانتفاضات والاحتجاجات، وإصرارها على استعادة حقوقها الإنسانية وكرامتها المهدورة، ومعبرة عن مطالبها لأشهر عديدة بر تراخ أو تراجع، برغم عنف النظام وأدواته القمعية، وتبدل حالات الطقس، مما يؤكد عظمة الجماهير وقدرتها على الحشد الميداني، مما أوقع الحيرة لدى مراكز الأبحاث الإستراتيجية والاستخبارية العالمية الرأسمالية، وأصاب الدهشة رجال السياسة والجنرالات الذين فشلوا في التنبؤ المسبق لما يجري في العالم العربي.

إن من يتابع تطورات الأوضاع التي تعيشها الجماهير العربية، ويتبنى المنهج المادي الجدلي كأداة للتحليل، كان يؤكد أن استمرار تدهور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للجماهير الشعبية، وتعاظم منظومة العلاقات والمصالح بين سلطة الحكم والمال، وانعكاساتها السلبية على الشعب لا يمكن لها الاستمرار على هذا المنوال، على الرغم من السكون النسبي الظاهر في حين تموج الأرض بالتفاعلات المركبة والمتراكمة، وهي حبلى بالإحداث والمشاكل المزمنة، وأن الانفجار قادم لا محالة، ولن تعطله أية قوة غاشمة. ولكن السؤال أين ينفجر البركان وفي أي بلد عربي ؟ ومتى يحدث الطوفان ؟ وكيف يكون حجم الزلزال، وقوة العاصفة؟ وأين أضعف الحلقات والمواقع؟ مؤكدين أن قوانين التطور الاجتماعي والثورة الاجتماعية لها حركتها الموضوعية، وأن الانفجار الحتمي قادم سواء عبر انقلاب عسكري رأسي تنفذه بعض الوحدات العسكرية، وبعض جنرالات الجيش في أحدى الدول العربية، وهو احتمال ضعيف لن يجد له سندا عربيا أو دوليا، وسيتعرض لهجوم شرس واستعداء العالم باعتباره يناقض الديمقراطية والشرعية، وربما يسمح بالتدخل الأجنبي تحت مبررات حماية النظام، وإما حربا في منطقة الشرق الأوسط تقودها الولايات المتحدة الأمريكية مع حليفتها العدوانية إسرائيل وحكومة التطرف اليميني فيها على سوريا أو لبنان لإجبارهما على التوقيع على معاهدة سلام مذلة تضمن أمنها ومصالحها في المنطقة، باعتبار أن سوريا لا زالت في المواجهة والمعيقة لمشاريع الشرق ألأوسط الجديد، أو التلويح بهجوم على إيران تحت ذريعة سعيها إلى امتلاك الأسلحة النووية التي حسب زعمها تهدد وجودها ولو لفظيا في المنطقة، وخصوصا بعد الانسحاب الشكلي للولايات المتحدة الأمريكية من العراق، وإعادة انتشار قواعدها العسكرية والنفطية في منطقة الخليج المسرح الحقيقي للتواجد الأمريكي الذي يهدد كل شعوب المنطقة العربية والإسلامية ويمنع استقرارها وتطورها، وفشلها في أفغانستان، أو هجوم على غزة بحجة إطلاق الصواريخ، وربما حراك جماهيري وانتفاضات شعبية تشارك فيها القوى والأحزاب السياسية والمجتمعية، وكافة الشرائح الاجتماعية ذات المصالح المتعددة والمشتركة. لقد شكل حادثة الاحتراق الذاتي للعامل بعزيزي في تونس، إعلان ساعة الصفر للحراك الشعبي والجماهيري، الشرارة التي أعقبها اللهيب، لتلتقطها الجماهير المصرية وفي القلب منها الشباب المتمرد الرافض لواقع الذل والتبعية، ولتتدحرج إلى المغرب واليمن وسوريا وليبيا والبحرين، ولن يتوقف السونامي والبركان الثائر عند هذه البلدان، بل سيطول كل أنظمة الاستبداد، ويلاحق الحكومة الثيوقراطية في السودان، وسيهز العروش والمشيخات والإمارات، ولن يستثني أحدا مهما كان التلويح باستخدام العنف الدموي ضد الجماهير، أو رشوتها بإصلاحات سطحية لا تمس البنية الحقيقية للنظام، ولا تؤسس لنظام ديمقراطي حقيقي يعطي الإنسان قيمته في مجتمعه، لقد حسمت الجماهير المنتفضة أمرها فرياح التغيير قادمة لن تعطلها أو تمنعها كل وسائل القهر أو الأجهزة البوليسية والعسكرية .

وفي هذا السياق فان قوى الغرب الامبريالي تحاول التدخل المباشر أو غير المباشر لحرف الثورات العربية عن مسارها الديمقراطي الصحيح، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه إما بواسطة عملائها وأدواتها، وبقايا النظام البائد العسكري والمالي، أو التدخل العسكري كما حدث في ليبيا، أو تدويلها كما يحدث في سوريا كمقدمة للتدخل العسكري، ولأن الثورات لا يمكن أن تسقط بفعل السماء كالمطر، وطالما مشاكل الجماهير السياسية والاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية والثقافية على الأرض، فان حلولها بالضرورة على الأرض.

لقد سجل التاريخ دورا مميزا للأحزاب الشيوعية العربية والقوى السياسية التقدمية في نضالها ضد الأجنبي، وفي دفاعها عن الوطن والجماهير الشعبية، وضد الإرهاب الفكري والجسدي لأنظمة الاستبداد، والجماعات الأصولية، وخاضت معارك طبقية شرسة، وعززت دورها في النقابات العمالية والمهنية، ولم تتوان عن خوض المعارك الوطنية والطبقية والفكرية، وكانت دائما المدافعة الصادقة المخلصة عن قضايا العمال والفلاحين وعن الشبيبة والمرأة والفقراء والمثقفين والمفكرين الثوريين، والمبدعة لإشكال النضال النقابية والاقتصادية والسياسية والفكرية، وكانت نشراتها وأدبياتها السرية والعلنية تعبر عن مطالب الجماهير الكادحة، على الرغم من حظر نشاطاتها بفعل قوانين الطوارئ والملاحقة والاعتقال والتعذيب والمحاصرة، ولم يخل سجن أو معتقل إلا والشيوعيين والتقدميين نزلائه باستمرار، ودفعوا جراء التعذيب داخل السجون والمعتقلات المئات من الشهداء الذين صمدوا، ولم يفلح السجن والسجان في تطويعهم أو إجبارهم على استنكار لمبادئهم، واستخدم النظام الاستبدادي الفاشي زلمه، ودعاة التكفير والظلامية من الإخوان المسلمين والبلطجية والشبيحة والزعران في ملاحقتهم وتصيدهم، ونتيجة الاستبداد والقمع الوحشي ضدهم في كل الدول العربية بدون استثناء، فقد تأثر دورهم الطليعي وأدى إلى إضعافهم في التوجه المباشر إلى الجماهير في النقابات العمالية والمهنية، وفي الشارع والحارة والمدرسة والجامعة والمؤسسات المختلفة،مما دفع بعضهم للعمل بين الجماهير بأسماء مستعارة حتى في ظل الانتخابات الرجعية التي يتحكم فيها النظام السياسي البائد، ومع هذا الحصار الدامي الذي يتعرضون له فقد برز المناضلون والقادة الحقيقيون في كافة المعارك الفكرية والطبقية والسياسية. ومن اللحظة الأولى للانتفاضات الجماهيرية الحالية لم تترد القوى اليسارية والشيوعية عن المشاركة الجماهيرية في ساحات الصراع الرئيسة بقياداتها المركزية وبأطرها النقابية والمهنية والشبابية والمرأة،ورفعت شعارات يسارية وتقدمية بعيدا عن شعارات أسلمة المجتمع، واستعادت دورها الحقيقي في التصدي لسلطة النظام البائد والأفكار الرجعية التي تحاول أن تلوي ذراع هذه الثورات وتسلبها شعاراتها التقدمية والعلمانية واليسارية.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية الذي شكل مرجعية فكرية للأحزاب الماركسية والديمقراطية، وحماية ودعما غير محدودين، سياسيا وعسكريا لقوى التحرر الوطني ضد الاستعمار القديم والجديد، فقد فقدت سندا قويا في مواجهة الأعداء القوميين والطبقيين، حيث تبدلت المعادلات السياسية، واختل التوازن الكوني، وساد نظام القطب الأوحد، وتصاعدت شراسة اللص الأمريكي وأتباعه من النظام الرأسمالي الامبريالي ضد الشعوب التواقة إلى التحرر الوطني والاقتصادي، ووفر مناخا لإرهاب دولة الاحتلال الإسرائيلي، فتصاعد عدوانها على الشعوب العربية في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق ومصر، باعتبارها دولة مارقة فوق القانون الدولي، وتعطيل تقديم قادتها السياسيين والعسكريين إلى محكمة الجنايات الدولية بسبب تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تشكل غطاء لعدوانيتها، والتهرب من تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الاختصاص بالقضية الفلسطينية. لقد أصيبت الأحزاب الشيوعية والتقدمية في العالم بالصدمة أدت إلى تراجع الحركة الشيوعية العربية والقوى التقدمية والديمقراطية، بالإضافة إلى الانقسامات التي طالت الأحزاب الشيوعية وخصوصا في العالم العربي مما أضعفها، وشل دورها بين الجماهير، وتحول بعضها بفعل هذا الانقسام إلى شكل ويافطة دون محتوى، يجتر قادتها ملحمة الماضي، ولم تنجح كل المحاولات المتكررة إلى إعادة لحمة الحركة الشيوعية والتقدمية لمواجهة مهمات المرحلة، والتصدي لأنظمة الحكم الاستبدادية، وفقدت ركائزها الجماهيرية كالنقابات العمالية والمهنية، وبعضها فشل في تشكيل الجبهات الوطنية المتحدة على أسس المشاركة السياسية الحقيقية مع ألأحزاب القومية التي استأثرت بالحكم والسلطة والمال، وفي توفير الحماية القانونية للعمل السياسي والديمقراطي، وبسبب ضيق الأفق فقد حلت بعض الأحزاب نفسها تحت ضغط الشعارات التقدمية السطحية التي كان يرفعها النظام الوطني، والتي سرعان ما ارتد عنها، وانقلب على حلفائه، وأودع قادتها ومفكريها سجونه ومعتقلاته، كما فشلت محاولات التنظير للتطور اللارأسمالي بديلا عن التطور الاشتراكي . كما أن بعض هذه الأحزاب الماركسية قد وقع في فخ سياسة التمويل والتطبيع، فانخرط العديد من قادتها في تنفيذ سياسات المنظمات غير الحكومية NGO,S ، ومع توفر الوفرة المالية والبذخ والرفاهية، وارتفاع المرتبات وتقديم التقارير للمؤسسات المانحة الأم في دول الغرب الأمريكي التي ترسم سياساتها قوى النظام الرأسمالي العالمي، يجري تفريغ هذه الأحزاب من قادتها السياسيين والكفاحيين على حساب القضايا الفكرية والنضالية أدت إلى التراخي وفقدان الروح الكفاحية لها، وعلى قاعدة " من يضع يده في جيبي عليه أن يدور حيث أدور " لقد وصل تأثير المال والحسابات الجارية إلى أن بعض قيادات تلك الأحزاب الشيوعية والماركسية إلى استنكار ماضيه، وتنكره لنضال الشيوعيين والتقدميين والديمقراطيين، لقد نجح المانحون في استخدام الرشوة المالية من اجل إضعاف هذه الأحزاب. ولم تعجز سلطة الحكم والمال في بعض البلدان العربية في شراء بعض النقابيين، وقدمت لهم الرشاوى عبر توظيفهم، ومنحهم بعض الامتيازات لتحويل النقابات إلى نقابات السلطان، لتتحول إلى بوق دعاية للنظام وتفقد دورها الحقيقي في الدفاع عن مصالح الشغيلة، ولم تعد قضايا العمال والكادحين تشكل الأولية في نضالهم النقابي والعمالي، وبهذا فقد فقدت هذه الأحزاب العديد من مواقعها الهامة وتراجع معها دورهم الحقيقي والطليعي في الدفاع عن الطبقة العاملة وجموع الكادحين والمسحوقين.

إن الثورات والانتفاضات في العالم العربي، تؤكد أن الشعب العربي لا يعزف عن العمل السياسي والنقابي ، وان الشباب العربي يمتلك أداة التغيير الحقيقي عبر استفادتها من كافة التجارب الكفاحية المتنوعة التي خاضتها الأحزاب الشيوعية والتقدمية، ولديها مخزون نضالي هائل إذا أحسن إدارة العمل معها دون وصاية أو تبعية، وإذا ما جرى تربيتها في النضال اليومي والكفاحي ضد البرجوازية غير الوطنية الكمبردورية التي تتلاعب بالوطن، ولديها إمكانية المساومة عليه مع الرأسمال الأجنبي وخضوعها لسياسة البنك الدولي، وان مقتل الأحزاب في غيابها عن الفعل، وعن الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقية في التقدم والعدالة الاجتماعية، فلا نظرية ثورية دون تطبيق ثوري، وعليها أن لا تتهيب في خوض المعارك، ولا تتراجع في الدفاع عن قضايا الكادحين في كل المؤسسات التشريعية والنقابية والمهنية وان لا تتردد في خوض الانتخابات الرئاسية والتشريعية ولتكن بروفة ومناورة حقيقية لمعرفة قوتها وجماهيرها، وثغرات عملها حتى تستفيد منه في المعارك القادمة، وعلى رأي فلاديمير ايليتش لينين " أينما يتواجد خصمك عليك أن تكون موجودا" حتى في النقابات الصفراء، ليسمع وليرى العمال والكادحين والفقراء والمهمشين من هي الأحزاب والقوى المعبرة والمدافعة عن مصالحهم بصدق وجرأة وشجاعة.

إن التجديد والتغيير، هو أحد سمات الجدل ولهذا فلا بد من إفساح المجال للقيادات الشابة لتأخذ دورها الحقيقي في المعارك المختلفة، وأية محاولة لتعطيل تطور الشباب يشكل رؤية أصولية تتنافي مع قوانين الجدل والتطور، وعليها أن تفتح أبوابا إبداعية، وتفسح المجال لها للعمل والتعلم ففي المعارك يجري صقل القادة، وفي الكفاح يتبلور الوعي السياسي والنقابي، وعلى القادة زج الشباب في كافة المعارك فمدرسة الحياة هي التي تصلب عودهم ، وتنمي مداركهم ، وتفلوز طاقاتهم، وتصقل إبداعاتهم، وللمرأة دور مهم وفي المرتبة الأولى من الاهتمام لدى الأحزاب الشيوعية والتقدمية والديمقراطية، وتوفير لها كل الإمكانات من أجل تعزيز دورها السياسي والنقابي والاجتماعي، ورفع مستوى وعيها السياسي والفكري، وتطوير قدراتها، وإفساح المجال للقيادات الشابة أن تأخذ دورها في قيادة المجتمع، وفي أعلى الهيئات القيادية، وهذا يتطلب من المرأة أن تساعد نفسها أيضا، تعتمد على نفسها في تطوير وعيها ورفع مستواها الكفاحي، ولا تتردد في الدفاع عن حقوقها، ومواجهة الاضطهاد القومي والطبقي الذي تتعرض له المرأة العربية.

لقد كان نتيجة ملاحقة وتوجيه ضربات موجعة للحركة الشيوعية، وللقوى التقدمية والعلمانية والتنويرية في المجتمع، أن خلق فراغا في الشارع العربي شغلته حركة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي، واستخدمتهم أنظمة الحكم الاستبدادية كأداة على قاعدة العصا والجزرة، ومنحتهم دورا في مواجهة الآخرين وسلطات ومسؤوليات في الحكم كالوزارات والمؤسسات، والسيطرة على التعليم والقضاء والإعلام والأوقاف، بالإضافة ما توفره المساجد من اللقاءات اليومية مع الجمهور، كلها شكلت أرضية لفكرها وفتواها التي في أغلب الأحيان فتاوى فردية، يتناقض بعضها مع فتاوى علماء الأزهر، مما ساعدهم على طرح شعارات مثل الإسلام هو الحل، وأصبح لهم قدرة على تعبئة الجماهير باعتبار أن خطابهم الديني هو المتاح لهم في المساجد والجوامع، ووفرت لهم إمكانية اللقاء مع الجماهير وتقديم خدمات لهم من خلال الجمعيات والمؤسسات الخيرية والخدمية ، والعمل بجدارة بين أوساط النساء والأميين في الأرياف، على طريق أسلمة المجتمع، وخاض الإسلام السياسي بتفريعاته المختلفة إرهابا وحشيا ضد الشيوعيين والعلمانيين واليساريين بالإضافة إلى إرهاب الحكومات الديكتاتورية، وبهذا فقد شكلوا حلفا وتكتلا رجعيا مع الأنظمة العربية الرجعية ، ضد الفكر التنويري، و ضد الأحزاب اليسارية والعلمانية والديمقراطية، ووضعت نفسها في خدمة النظام الرأسمالي العالمي، والتبعية للغرب ، بغض النظر عن الشعارات المتطرفة . إن النضال الاجتماعي والنقابي يشكلان مدخلا للعمل السياسي، والدفاع عن قضايا الناس الحياتية والمعيشية ضد الظلم والقهر والاستغلال يشكل أولوية في البرامج السياسية للأحزاب اليسارية، والدفاع عن المرأة، والتعددية السياسية، والقضايا الديمقراطية والحريات العامة والخاصة، هو معيار لمدى صدق تلك الأحزاب.

وإذا كان الإسلاميون في وثائقهم ومطبوعاتهم، يرفضون القومية والوطنية والديمقراطية، فأن غايتهم الانقضاض على الحكم لتنفيذ برنامجهم، وهذه المرة تأتي لعبة الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ويبدو أنهم استفادوا من تجربة نموذج حركة حماس في الانتخابات عام 2006 في فلسطين، والترويج لحكومتهم الربانية، على طريق أسلمة المجتمع دون مراعاة ومعرفة التغيرات التي تحدث في العالم، لكنهم لا يعرفون مصاعب حركة حماس في إدارة المجتمع، وفي استحالة الجمع بين سلطة ومقاومة يدفع ثمنها غاليا الشعب الفلسطيني، وعجزهم في تلبية المطالب والحاجات المعيشية، وفي المقدمة منها حفاظهم على أمن المواطنين، إن نجاح القوى الإسلامية في الانتخابات بعد الربيع العربي، وفوزهم سيكون مؤقتا لحين أن تكتشف الجماهير عجزها عن تقديم الحلول لكافة مشاكل المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وصعوبة التحديات التي ستواجهها لافتقادهم لبرامج علمية وواقعية، وبالشعارات وحدها لا يمكن أن تشبع جائعا أو تكسي عريانا أو تمنح طمأنينة لمواطن ليس له عمل، وكما اكتشفت الجماهير الفلسطينية في غزة زيف دعاوي الإسلام السياسي، فان الجماهير العربية التي أعطت أو ستعطي صوتها للحركات الإسلامية تحت شعارات دينية ستدرك خطأها بعد أن تدفع الثمن.

لقد لعبت ثورة التكنولوجيا، وتطور صناعة أجهزة الكمبيوتر والموبايل، والنت، ووسائل الاتصال الحديثة، وتوفرها بأسعار زهيدة، في تطوير وعي الإنسان، وخلق حالة من الإبداع والتخيل، واستخدمت أدوات الاتصال للتواصل الاجتماعي بين الشباب مثل الفيسبوك، واليوتيوب، والتوتير التي جذبت نحوها الشباب من الطبقة الوسطى والمتمردة على الواقع، الذين واصلوا تعليمهم الجامعي في الداخل أو الخارج، وتعرفوا على العالم المتطور، وتبادلوا الآراء والنقاشات حول كل القضايا حتى تلك التي يحظر المجتمع تداولها، مما زاد من دور هذه الوسائل في تأثيرها على الجمهور المتلقي والمرسل، وخلق علاقة إنسانية جديدة بين المتحاورين، فساهمت تلك التقنيات في التواصل بين أجيال الشباب والتوحد ضد انتهاك كرامة المواطنين، وتفشي البطالة وسعيهم ليكون لهم دور حقيقي في مجتمعاتهم بعد أن تعرفوا على تجارب الشعوب المتحضرة، واستلهموا مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، واعتبرت هذه وسائل اتصال حديثة، بالإضافة إلى الوسائل الإعلام التقليدية، وعلى الأحزاب اليسارية أن تستخدم تلك الأدوات والتقنيات الإعلامية من اجل الترويج للأفكار التقدمية وحشد الجماهير للدفاع عن قضاياها، وللاستنهاض همة أعضاء ومناصري الأحزاب، وفي تعزيز دور الشباب في قيادة المجتمع ، وتبادل المعرفة، وتطوير الإبداع الفكري والثقافي والفني، وتنمية الانتماء الحقيقي للوطن والشعب، وتعزيز القيم التقدمية والديمقراطية، وتعريف المواطنين على برامج هذه الأحزاب وتاريخها وشهدائها، وكيفية مواجهة النظم الاستبدادية والديكتاتورية والإسلام السياسي والأفكار الظلامية.

  • طلعت الصفدي· عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني- قطاع غزة
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات