عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

المشهد الحزبي، في المغرب

أرسل إلى صديق طباعة PDF
لم يعد يشكل المشهد الحزبي، باعتباره حقلا عاما، موضوعا مغريا للتحليل والمناقشة، بعد أن فقدت الممارسة الحزبية بريقها، ولم يعد لها من الجاذبية والإغراء ما بهما تثير انتباه وفضول من يسعون الى استشراف مستقل ومحايد لممكنات العمل الحزبي المنظم والمسؤول؛ غير أن فقدان المشهد الحزبي، ومعه الممارسة الحزبية، لتلك الجاذبية لا يثني العديد من الملاحظين والمتتبعين عن تناول الوضع السياسي العام ببلادنا في ارتباط وثيق بما يجري من تحولات جارفة من حولنا.
لا نخفي أننا وبعد الانتخابات الجماعية 2009، وما جرى فيها من ممارسات انتخابوية ومن انجاز تحالفات هجينة ومن تجاوزات، توصلنا الى قناعة راسخة مفادها أن مناقشة المشهد الحزبي ومحاولة استقراءه هو عملية روتينية لا فائدة تذكر لها، على اعتبار أن ممارسات الفاعلين الحزبيين لا تخضع لمنطق ولا لقواعد واضحة، مما حذا بنا الى الاتجاه نحو تناول موضوعات ذات ارتباط بالوضع السياسي العام وطنيا وإقليميا ودوليا من حيث هو وضع شديد التعقيد لا بد من ملامسته والمساهمة في اغناء النقاش فيه بشكل يساهم في تطوير الوعي الجماهيري ضدا على المحاولات الحثيثة الجارية التي تستهدف سواء تدجين هذه الجماهير أو تحييدها عن مسرح الفعل السياسي العام وليس الحزبي الضيق.
في هذا السياق تناولنا موضوعات مرتبطة بالوضع السياسي الوطني كما الإقليمي والدولي وحاولنا جاهدين تقديم قراءة موضوعية وعقلانية لا تحابي ولا تهادن ذلك الكم من الخطابات والقراءات الإيديولوجية الدوغمائية التي تمتح لها من مرجعيات وقوالب فكرية جامدة – أصولية - لا تقيم وزنا للتحولات الكونية المتسارعة ومدى انعكاسها التدميري الاستراتيجي على البلدان السائرة في طريق النمو، ومن بينها بلادنا طبعا.
بعد أن نأينا عن تناول المشهد الحزبي لمدة من الزمن ها نحن نجدنا من جديد مضطرين للخوض في هذا المشهد وإشكالاته وعلائقه المزمنة والعالقة من حيث أن هذه الإشكالات العصية على التجاوز هي اشكالات تعيق كل تطور حقيقي للمجتمع نحو الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بما هي تجليات تاريخية لعدم تمكن الفاعلين السياسيين من الانتقال الى الحداثة السياسية، تلك التي لا نجد لها أثرا في الممارسة السياسوية الحزبية.
بيد أنه من واجبنا أن نؤكد هنا على فكرة أساسية ومحورية مفادها بكل بساطة أن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية هي مطالب مشروعة وذات ملحاحية قصوى لا ينبغي تأجيلها تحت أية ظروف، لكنها لم ولن تتحقق تاريخيا إلا في إطار الدولة وبالحسم مع كل مظاهر التردد والمحافظة السياسية التي هي نقيض الحداثة السياسية المفقودة.
لذا لا غرابة في أن تصبح الدولة هنا، سواء باعتبارها مفهوما مجردا أو واقعا سياسيا-تاريخيا هي محور انشغالنا، خاصة إذا استحضرنا هذا الشرط التاريخي العولمي (الامبريالية الجديدة) الذي من سماته الرئيسة تدمير وتفكيك كل الدول التي يمكن تصنيفها في خانة دول ما بعد الاستقلالات الشكلية، أو قل ما اصطلح عليه إيديولوجيا ولعقود "الدولة الوطنية". أما تفكيك هذه الدول البدائية الهشة التي ليست في الحقيقة سوى جهازا قمعيا في يد العائلة الحاكمة (هذا ما اتضح بعد انهيار أنظمة بنعلي مبارك، والقذافي،...) فهو –أي هذا التفكيك- يجري لصالح تحويل هذه الدول الى أسواق للرأسمالية العالمية، في صيغتها الامبريالية الجديدة، فيها وبها تحاول إيجاد حلول لتجاوز الأزمة المالية التي تضرب في العمق مركز النظام الرأسمالي العالمي (أمريكا وأروبا).
لسنا هنا بصدد مناقشة الأصول النظرية والمراحل التاريخية لنشأة وتطور الدولة، أهي برجوازية، اشتراكية، شيوعية مبنية على ديكتاتورية البروليتاريا أم دولة الخلافة كما يتوهم البعض عندنا.... بل ما نود التركيز عليه هو كون الدولة الحديثة، في شكلها الحالي، ليست سوى تجسيدا مؤسساتيا وسياسيا واجتماعيا لانتقال المجتمع الأوربي تاريخيا من مرحلة الإقطاعية (المحافظة واللاهوت) الى المرحلة الرأسمالية بمختلف أطوارها التاريخية (النسبية والحداثة السياسية= المدنية).
بهذا المعنى، ليست الدولة في صيغتها وشكلها الحديثين سوى تجميع وتكثيف لكل النشاط الإنساني الجماعي بعد التحرر من وصاية الحق الإلهي وصكوك الغفران، بل قل ليست الدولة سوى انصهار مجموع المؤسسات المجتمعية التمثيلية المنبثقة عن هذا التحرر الإنساني، في بوتقة جهاز سلطوي يمارس السيطرة والهيمنة لكن أيضا يحافظ على السيادة الوطنية المجال الطبيعي لتحقيق الحداثة السياسية... صحيح أن الدولة بما هي مجموع هذه المؤسسات المنصهرة في مركز الحقل السياسي قائمة على نوع من التمثيلية البرجوازية، وهي بهذا المعنى ليست سوى جهاز قمع طبقي به تمارس الطبقة المسيطرة على وسائل الإنتاج هيمنتها السياسية والاقتصادية والثقافية الإيديولوجية على المجتمع من أجل إعادة تنشئته وتشكيله بما يتلاءم وحاجيات تطور المجتمع البرجوازي (المجتمع المدني في علاقته بالدولة البرجوازية).
كل ما يهمنا في هذه المرحلة التاريخية ليس شكل الدولة في حد ذاته، ذلك أن التاريخ ومجموع النشاط البشري (النضال الاجتماعي والسياسي) سيتكفلان بإعطاء هذه الدولة مضمونها التمثيلي الديمقراطي كما أسلفنا الذكر... إن ما يهمنا أكثر هو الحفاظ أولا على الدولة بغض النظر عن شكلها الحالي، إطارا موحدا للمجتمع ومحافظا على كيانه السياسي التاريخي ووحدة ترابه الوطني والحيلولة دون تمزيق هذه المكتسبات بتدخلات خارجية مدمرة. يهمنا الآن الحفاظ على الدولة لأن المرحلة وبكل بساطة هي مرحلة تفكيك الدول الضعيفة وتحويلها الى أسواق رأسمالية...
لا غرابة والحال هذه أن الامبريالية الجديدة تضع نصب أعينها تفكيك الجيوش كمرحلة ممهدة لتدمير هذه الدول، وهو ما جرى ويجري في العراق، ليبيا، اليمن سوريا ومصر وايران. إن تدمير هذه الجيوش هو بهدف فتح الحدود بين الدول المنهارة بحيث ينتج عن ذلك تداعيات خطيرة من تهريب السلاح وتنامي الإرهاب والجريمة المنظمة، وكل هذا من تخطيط الامبريالية التي تجد في هذه الفوضى مآربها وفرصتها التاريخية للسيطرة على ثروات الشعوب المقهورة التي تؤدي بالنيابة فاتورة الأزمة المالية الرأسمالية في أروبا وأمريكا.
وعيا منا بأن التناقض الرئيس في الصراع الجاري في المرحلة الراهنة هو بالضبط تناقض بين الشعوب المتأخرة المقهورة والامبريالية، وليس كما يختزله خدام الامبريالية الجدد باعتباره تناقضا بين الشعب والاستبداد المحلي فقط... ليس التناقض بين الشعب والاستبداد الداخلي سوى تناقض ثانوي وهو يجد حله، باعتباره تناقضا ثانويا، في حل التناقض الرئيس وليس العكس. هذا لا يعني أننا ندعو الى تأجيل الصراع على مستوى التناقض الثانوي، بل ينبغي ممارسة هذا النوع من الصراع الثانوي وفق رؤية شمولية تاريخية تأخذ بعين الاعتبار أولوية حل التناقض الرئيسي الممثل في مواجهة السياسات الامبريالية التي ترهن مصير الشعوب لعقود أخرى من التخلف وفقدان بوصلة الفعل التاريخي الهادف الى استقلالية هذه الشعوب وتحررها كشرط لانتقالها الى الديمقراطية الاجتماعية والحداثة السياسية. كل هذا لن يتحقق إن تم تدمير الدولة، لذا نقول بكل صراحة: الدولة خط أحمر فاجتنبوه لعلكم ترحمون.
إن الحفاظ على الدولة في هذه المرحلة التاريخية، رغم كل ما يشوبها من تشوهات وضعف، اظافة الى عدم قدرتها على التحرر من التبعية الاقتصادية المباشرة والسياسية غير المباشرة، إن الحفاظ على الدولة هو في نظرنا احدى المهام المستعجلة والتي ينبغي طرحها على جدول أعمال كل المغاربة الأحرار الغيورين على بلادهم في استقلالية تامة عن كل الرياح سواء المشرقية أو الغربية التي تحاول جادة هدم وتدمير العديد من الدول في إطار خطة امبريالية قديمة-جديدة.
يهمنا كثيرا الحفاظ أولا وقبل كل شيء على هذه الدولة لأن في إطارها قطعا ستتوافر للمجتمع، الذي بدأ لتوه يدق أبواب التاريخ بشكل غير مسبوق حاملا مطالب ديمقراطية وكونية مشروعة وغير قابلة للتـأجيل وللمناورة ولربح الوقت، قلنا في إطارها ستتوافر فرص وإمكانيات النضال الجماهيري في سبيل تحويل هذه الدولة من شكلها الحالي غير القابل للاستمرار الى دولة مدنية قادرة على تأمين السيادة الوطنية، اقتصاديا وسياسيا، في استقلالية عن الاملاءات الرأسمالية، وبشكل يضمن الحقوق الأساسية في الحرية والديمقراطية والحداثة، أي بكل بساطة في المدنية الإنسانية على نحو ما بات التاريخ يفرضه وبدون تأجيل اليوم.
ففي غياب الدولة، وهي فعلا غائبة في الكثير من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (العراق، اليمن، سوريا، مصر، ليبيا، الصومال، مع انتظار ما ستؤول إليه التجربة الاسلاموية في تونس)، ليس هناك مجال للحديث عن الحرية والديمقراطية والحداثة، من حيث هي قيم لا يمكن أن تتحقق إلا في إطار الدولة لا غير. لقد أكدنا في كتابات سابقة أن مأزق الدولة في العالم المتأخر (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) بشكل عام هو هو مأزق النظام السياسي السائد فيها، من حيث هو نظام حزب واحد شمولي تماهي في شروط تاريخية مع الدولة فأضحى الحزب هو هو الدولة وأصبحت الدولة هي هي الحزب الواحد. الأنكى من ذلك أن هذا الحزب الواحد الحامل ل"لشعارات اشتراكية أو قومية أو وطنية" ما لبث أن صار في يد العشيرة ثم العائلة ثم بعد ذلك محاولات التوريث التي فشلت فشلا ذريعا في إطار الحراك الجاري حاليا..
في هذا النوع من التماهي يؤدي سقوط النظام السياسي السائد الى تفكك الدولة المتماهية معه، وقد كشفت الحراكات الجارية في المنطقة على أن الدولة، بهذا المعنى، ليست سوى أداة قمع طبقي في يد العائلة المهيمنة ونظامها السياسي المستبد. تكشف هذه التجارب على حقيقة جوهرية مفادها أنه لا شيء يتحقق تلقائيا بعد سقوط النظام سوى تفكك الدولة وما يستتبعها من فراغ وفوضى واحتراب داخلي. الشيء الذي يؤدي حتما الى الانكفاء الى حاضنات ما قبل دولتية، أي عشائرية وقبلية وعائلية ودينية ومذهبية وعرقية، مما يفسح المجال واسعا ليس فقط لعودة القوى الامبريالية في صيغتها الجديدة المبنية على نظرية حقوق الانسان وحماية المدنيين، بل لتكريس الهيمنة الامبريالية وضمان مصالحها الاستراتيجية عبر الاستحواذ على خيرات الشعوب التي لم تعد لها دول، وذلك كله من أجل تجاوز مأزق الأزمة الرأسمالية المالية التي يتخبط فيها المركز الرأسمالي أوربيا وأمريكيا.
إن هذه التطورات الكونية والإقليمية والداخلية غير المسبوقة تفرض علينا، ونحن نستشعر جسامة المسؤوليات الملقاة على عاتق كل وطني ديمقراطي حداثي الرجوع الى مناقشة المشهد الحزبي في ظل هذا المنعطف التاريخي الذي يعصف بكل الدول التي لا تتمتع بنوع من الحصانة التاريخية والمجتمعية. ففي هذا السياق ستجري ببلادنا استحقاقات 25 نونبر في ضوء التعديل الدستوري، وعدم استكمال حكومة عباس الفاسي لولايتها المفترضة، وهو ما كان متوقعا منذ استحقاقات 2007 التي فيها كان العزوف واضحا وذا دلالات سياسية واستراتيجية لم تعمل الدولة، ومعها هذا المشهد الحزبي، على تجاوز تداعياتها بما يتيح نسبة مشاركة كبيرة في أي استحقاق قادم.
على غير المتوقع دائما يفاجئنا التاريخ بأحداث كبرى تفرز أوضاعا جديدة ومعقدة وغير مألوفة، ومع هذه المفاجئات التاريخية تنطرح علينا أسئلة جديدة ينبغي علينا استشعارها قبل فوات الأوان، لا أن نحاول طمس هذه الأسئلة الجديدة والاستعاضة عنها بترديد مقولات ايديولوجية عفا عنها الزمن.
من هذا المنطلق نتوخى اليوم العودة الى مناقشة المشهد الحزبي محاولين التركيز على بعض اتجاهاته الرئيسة وليس في مجموعه الذي يناهز حوالي أربعون حزبا، ذلك وبكل صراحة لا "نتوفر" على لائحة بأسماء كل هذه الأحزاب التي لا تشكل في الحقيقة لا اظافات سياسية ولا تعبيرات مجتمعية ولا صدى لإيديولوجيات كيفما كان نوعها ولا قاطرة للانتقال الى الحداثة السياسية القمينة ببناء دولة مدنية عادلة ذات سيادة وطنية وسياسية واقتصادية. إن هذه الأحزاب، في تشرذمها وسرعة توالدها، ليست تعبر سوى عن غياب تماسك اجتماعي ووطني له أبعاده الخطيرة في ظل وضع إقليمي وكوني سماته البارزة التفكيك ولا شيء سوى التفكيك، أي سيادة منطق اللادولة والرجوع بالمجتمعات القهقرى.
لا تجد في المجتمعات المتماسكة اجتماعيا ووطنيا سوى تعبيرات حزبية قليلة وحاملة لمشاريع سياسية ومجتمعية واضحة، وهي بذلك تعطي للسياسة معناها النبيل المتمثل في تدبير سلمي وديمقراطي للصراع السياسي بما يتيح التداول على السلطة في إطار دولة مدنية قوية ومحصنة ضد العواصف التاريخية على عكس الشعوب المتأخرة غير المتماسكة اجتماعيا ووطنيا حيث وفرة الأحزاب وضعف الدولة، إن لم نقل اضمحلالها، هما عاملان أساسيان لسيادة العنف في تدبير الصراع بين المكونات المجتمعية لهذه الشعوب وليس وسيلة لتدبيره تدبيرا ديمقراطيا وعقلانيا.
إننا هنا إزاء غياب شبه كلي للحداثة السياسية عند الأحزاب. ربما هناك جينات هذه الحداثة السياسية في الدولة التي كثيرا ما عملت على حل مجموعة من الملفات الوطنية ذات حساسيات معينة لم تفلح الأحزاب ولا معظم جمعيات المجتمع المدني في طرح مواقف صريحة وحاسمة منها مهما كلفها ذلك من ثمن، وهنا تتجلى غياب الحداثة السياسية في المشهد الحزبي والمدني المغربي.
لقد عملت الدولة على نقد نوع من العنف الذي مارسته خلال سنوات الرصاص في إطار مصالحة لم تكن مدعومة من طرف الكثير من القوى السياسية والحقوقية، ولما مضى وقت من الزمن ها هي القوى المعارضة للمصالحة تطلب أجرأة توصية الانصاف والمصالحة: أية حداثة سياسية هذه!? ... لقد اتخذت الدولة قرارات تاريخية وحاسمة في قضية الأمازيغية في وقت كانت معظم الأحزاب "الوطنية" و"الديمقراطية" تنعت الحركة الأمازيغية بشتى أنواع العمالة والعنصرية وهلم جرا من نعوتات قدحية، بعد هذه القرارات الحاسمة التي خرجت بها الدولة ها هي كل الأحزاب تركب موجة الأمازيغية: فأية حداثة سياسية هذه! ?...
لقد ارتكبت الدولة خطأ قاتلا في تدبير قضية أميناتو حيدر فصفقت الأحزاب كلها لمقاربة الدولة، ولما استشعرت الدولة حجم الخطأ وما ترتب عنه من ضغوطات خارجية تراجعت الدولة وعادت الأحزاب معها تردد ما تقوله الدولة: فأية حداثة سياسية هذه!?... لقد كانت الأحزاب في معظمها تدعي أن المغرب ليس فيه سوى مشكل الحكامة ولا يحتاج الى تعديل دستوري، ولما جاءت حركة 20 فبراير تقلد هي بدورها ما تردد من شعارات في دول أخرى، دون أن نلمس فيها أيضا نوعا من الحداثة السياسية، سارعت الدولة الى طرح استفتاء حول التعديل الدستوري؛ وبعد خطاب 9 مارس لاحظنا كيف أن الأحزاب صارت تدبج مذكرات حول تعديلات دستورية لم تكن لترى الحاجة إليها من قبل: أين نحن هنا من الحداثة السياسية!?...
مشكلة 20 فبراير للإشارة أنها ظلت تقلد في خطها العريض ما يتردد من شعارات في دول أخرى ليست لها نفس الخصوصية المغربية، بل لم تستطع 20 فبراير أن تشكل ملامح حركة اجتماعية وتاريخية بالمعنى الذي تكون فيه مؤهلة على استنهاض الفعل الجماهيري من جهة وترجمة مواقفها وشعاراتها الى خطوات عملية وسياسية لتحقيق تغيير في الواقع السياسي من جهة أخرى. ما جرى أن الحركة، بخروجها وباقتحامها الجريء للشارع في ظل ظروف إقليمية، توهمت أن التغيير في البناء السياسي المتخلف عن الحداثة السياسية، سيأتي كتحصيل حاصل لشعاراتها وهي في ذلك بعيدة كل البعد عن ممارسة الحداثة السياسية.
يمكننا اقتحام الحداثة السياسية حينما سنقتنع جماعيا بأننا شركاء في الوطن وفي صنع القرارات المصيرية الكبرى وفي الدفاع عن سيادة الدولة ومناعتها ضد التدخلات الأجنبية التي تحاول جادة تحويل الدول الى أسواق رأسمالية، هذه أمور من بين أخرى نراها تشكل سمات الحداثة السياسية. والحال أن الفرقاء الحزبيين ليس لهم تصور واضح مما يجري حولنا من أهوال ومصائب كبيرة سواء ترديد بعض الشعارات في أحسن الأحوال.
فما ذا تعمل الأحزاب السياسية المغربية في ظل هذه الشروط الوطنية والإقليمية والدولية البالغة التعقيد? وهل تعد العدة لمثل هذه الاكراهات وهذه الالتواءات التاريخية المفاجئة?... إن هذه المفاجئات التاريخية لها ما بعدها سواء على مستقبل شعبنا أو صيرورة الدولة باعتبارها الضامن الأوحد لوحدة شعبنا ومستقبله الذي لا نريد له في جميع الأحوال أن يؤول به الوضع الى ما تعيشه بلدان قريبة منا، حيث الفوضى والارتماء في أحضان الامبريالية التي لا تفكر إلا في استخلاص فائض القيمة ونهب الثروات على حساب الشعوب المتأخرة في محاولة لمواجهة متطلبات الحفاظ على تماسكها الاجتماعي وقوة دولها المدنية.
هل تعي الأحزاب السياسية هذه الرهانات أم أن لها هاجسها التقليدي في كيفية الوصول الى الحكم والاستمتاع بمزايا الكرسي?... من خلال تتبعنا اليومي لحراك المشهد الحزبي الكرنفالي يمكن القول أن غالبية الأحزاب السياسية هي رهينة الممارسة والخطاب التقليديين، بالمقابل هناك بعض المحاولات القليلة والجريئة التي بدأت تعلن عن نفسها من خلال مواقف شخصية نعتقد انها لا ترقى الى اعتبارها مواقف حزبية مباشرة. في هذا السياق تحضرني بعض مضامين المقال الأخير لصلاح الوديع بهسبرس (يوم الثلاثاء 23 نونبر) واستجوابه الصحفي الأخير في يومية المساء (الثلاثاء 23 نونبر 2011، عدد 1605). فهو – أي الأستاذ صلاح الوديع – عبر عن أفكاره بكل جرأة ودعا الى تجاوز الخطابات التقليدانية التي تتوسل ب "الوطنية"، و"اليسارية"، و"الاسلاموية" سبيلا نحو حيازة نوع من "الشرعية"، بها تحارب خصومها في الحقل السياسي، وهو بذلك محق ونرى أن مقاله واستجوابه بجريدة المساء جديران بالقراءة والمناقشة لأنه، فيهما، يحاول تجاوز "طابوهات" تحول دون اقتحام الحداثة السياسية.
بغض النظر عن موقفنا من حزب الأصالة والمعاصرة الذي خصصنا لتجربته عدة مقالات نقدية في كثير من المحطات السابقة، وهي بالمناسبة دراسات نقدية لأفكار ومشاريع هذا الحزب وليس لأعضائه أو الفاعلين فيه، بغض النظر عن موقفنا هذا لا يسعني إلا أن أشدد عن بعض الأفكار التي استلهمها صلاح الوديع وهو يحاول قراء هذه اللحظة التاريخية قراءة متأنية موضوعية عقلانية غير ايديولوجية واضعا نصب أعينه هذا الخطر المحدق بنا جميع (مجتمعا ودولة) والذي كنا نستشرفه منذ الوهلة الأولى لما سمي "ربيعا عربيا".
لقد اتضح أن "الربيع العربي" ليس سوى وصولا للاسلامويين الى السلطة، بمباركة أمريكية واروبية (الامبريالية الجديدة) سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وفي بلادنا يجري اليوم صراع محموم من جهة حزب العدالة والتنمية الاسلاموي لشق طريقه الى السلطة على شاكلة تونس تارة وتركيا تارة أخرى. لا يمكنك أن تقرأ التجديد كل صباح دون أن تجد افتتاحيتها تشير من قريب أو من بعيد الى استلهام التجربتين التونسية أو التركية. أكثر من ذلك عمد حزب العدالة والتنمية في ممارسة صراعه السياسوي الى نوع من التضليل واستعمال مفاهيم ومصطلحات ليست صحيحة وقد حان وقت توضيحها.
لا يكل صاحب افتتاحية التجديد في نعت حزب الأصالة والمعاصرة تارة بالحزب السلطوي، وتارة بالحزب الأغلبي، وهو بذلك يحاول أن يقيم تماثلا غير واقعيا بين حزب الأصالة والمعاصرة وأحزب الأنظمة البائدة في تونس ومصر. نحن هنا لا ندافع عن حزب الأصالة والمعاصرة لأننا ببساطة لسنا عضوا فيه ولسنا بالمناسبة عضوا في أي حزب سياسي لم يقتحم الحداثة السياسية بعد؛ إن قناعتنا المبدئية الراسخة في نقد ما يجري من تضليل و إن استقلاليتنا، من موقع البحث والنقد، تحتم علينا الوقوف عند التضليل التي يمارسه حزب العدالة والتنمية في هذا السياق الوطني والإقليمي المحفوف بالمخاطر، ونجمل بعض الملاحظات في ما يلي:
- حزب العدالة والتنمية الذي يطلق على نفسه "تيار المشاركة الاسلامية" هو حزب تشكل في كنف المخزن وبمباركة من القصر، لم يناضل في سنوات الرصاص، لم يقدم الضريبة التي قدمها مناضلو اليسار في السجون والمعتقلات والنفي لتحقيق نوع من الانفتاح السياسي... ولما تشكلت 20 فبراير وقف حزب العدالة والتنمية ضد الحراك الجماهيري، بل أكثر من ذلك سحب إطاراته الموازية (النقابية خاصة) من الحراك الاجتماعي.... كل الديمقراطيين والحداثيين يعلمون ما قام به حزب العدالة والتنمية من مناورات للحيلولة دون التنصيص الدستوري على مداخل الحداثة السياسية ولا فائدة في شرح الواضحات.
- إن كون العدالة والتنمية حزبا مخزنيا بامتياز ولا رصيد نضالي له في مواجهة القمع المخزني لا يؤهله لنعت أي حزب أخر بالسلطوية، هذا جانب. أما الجانب التضليلي فيتجلى واضحا عندما يزعم حزب العدالة والتنمية أن "الحزب السلطوي" في المغرب مسؤول عن الفساد لوحده. وهذه ليست حقيقة مطلقا، إذ نجد جذور الإقصاء والفساد في المغرب منذ الصراع على السلطة بعد الاستقلال، وهنا نؤكد على ضرورة إعادة قراء تاريخ المغرب قراءة تاريخية حتى تنجلي غبار كثيفة عن "الحركة الوطنية" ودورها في ما آل إليه المغرب. بينما ومن خلال تتبعنا لمجريات الحياة السياسية ببلادنا نعرف كما يعرف كل المغاربة أن حزب الأصالة والمعاصرة قد تشكل منذ حوالي ثلاث سنوات وليس مسؤولا في الأغلبية الحكومية، فكيف به وبقدرة قادر أضحى يشكل بؤرة الفساد أو قل على كل هذا الفساد المستشري في مجتمعنا ونظامنا السياسي منذ مدة?
- إن المقارنة بين الأصالة والمعاصرة باعتباره "حزبا سلطويا" والأحزاب المنهارة في تونس ومصر وسوريا هي مقارنة مبنية على تماثل قاتل، وهي ليست مقارنة تاريخية وسياسية وفي هذا استصغار لذكاء المغاربة. لقد شرحنا آنفا كيف سيطرت الأحزاب الشمولية في مصر وتونس وسوريا على مقاليد السلطة وكيف تماهت مع الدولة في سياق تاريخي طويل، وهو ما لا ينطبق على الأصالة والمعاصرة في الحالة المغربية. ولما انهارت هذه الأحزاب انهار معها النظام والدولة. لا مجال إذن لمقارنة من هذا القبيل. ففي المغرب هناك إجماع من طرف جميع الأحزاب حول المؤسسة الملكية، وفي هذا يتساوى الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والاستقلال والعدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وهم جميعهم قبل حراك 20 فبراير كانوا يقومون بتناوب أدوار سواء من داخل الأغلبية الحكومية أو من داخل المعارضة في البرلمان. ثم جاءت 20 فبراير فتبين الخيط الأسود من الأبيض.
- بكل دقة علمية، ومن خلال تتبعنا الموضوعي المستقل، يمكننا القول أن الحزب الوحيد الذي حاول نقد ممارسته السياسية وطرح أفكار جديدة تنم عن رؤية استشرافية وحداثية لممكنات الفعل السياسي الحداثي بصيغته المغربية القحة البعيدة عن النزعات المشرقية والغربية هو حزب الأصالة والمعاصرة. ونحن إذ نقف بكل حيادية على هذا المعطى نتوخى من الأحزاب ذات التاريخ النضالي المشرق أن تنأى بنفسها عن تضليل الشعب من خلال ترويجها لمغالطات تفرضها الظرفية الانتخابية وعدم السقوط في ما سقط فيه حزب العدالة والتنمية.
- ينبغي أن نحسم اختياراتنا، فالتاريخ لن ينتظرنا كثيرا حتى نبلور هذه المواقف وقت ما شئنا؛ فإذا كنا نريد العبور الى الحداثة السياسية فعلينا التعامل مع الحقل السياسي كما هو في المرحلة السياسية الجديدة وليس كما كان سابقا وكما لا يزال المحافظون يتوهمونه واقعا بدون أثر. الواقع السياسي الجديد سماته هي كالتالي: كل الأحزاب هي ملتفة حول الملكية، التحالفات كانت دائمة هجينة بين جميع الفرقاء، الحكومة الحالية فيها الاتحاديون، الاستقلاليون، الحركيون، الأحرار، التقدم والاشتراكية. انها أغلبية هجينة من زمن التوافقات الفوقية.
إن أكبر تضليل يمارسه حزب العدالة والتنمية وللأسف باقي الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية (الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية والاستقلال) هو حينما يقولون أن تحالف الثماني هو تحالف هجين وأملته ظروف انتخابوية، وكأن هؤلاء لم يسبق لهم أن أقاموا هذا النوع من التحالفات وربما أقاموا تحالفات أكثر ضررا على المجتمع المغربي لأنها ببساطة كانت تحالفات فوقية وكانت تتغيى الحصول على المناصب الحكومية فقط. إذن هناك نوع من عدم الوضوح تمارسه معظم الأحزاب، وهي في هذا لم تعي بعد أن الزمن السياسي الجديد والمرحلة السياسية الجديدة لم يعد يجدي فيهما هذا النوع من التضليل.
لذا نرى حزب الأصالة والمعاصرة وهو يحاول إعادة قراءة مساره، وهذا مهم جدا لتحقق الحداثة السياسية، إنما يشكل تفردا سواء من حيث تميز خطابه الواقعي والمعتدل والمراعي للخصوصية المغربية، أو من حيث عدم ادعاءه تمثيلية المغاربة قاطبة بشكل يؤدي به، كما في حالة العدالة والتنمية، الى القول أنه إذا لم يفز فان مخاطر البلاد ستكون مضاعفة. وهو بهذا التواضع من حيث مساهماته وبهذه الواقعية السياسية إنما يشكل احدى جينات الحداثة السياسية في الحقل السياسي المغربي. قمة السخافة السياسية أن يدعي حزب العدالة والتنمية أحقيته في تمثيل كل المغاربة، حيث يدعي أن البلاد كلها في خطر إن لم يفز هو في الانتخابات... يقول أيضا انه إذا لم يفز في الانتخابات فهو سيرجع الى الشارع رفقة 20 فبراير. نتسائل نحن متى كان العدالة والتنمية في الشارع مطالبا بالحقوق الأساسية للمغاربة، ومتى أدى الضريبة عن هكذا "استماتته" في الشارع?... انه كان دائما يتوافق مع الداخلية وفي كل مناسبة انتخابية ولما رأى إخوته "من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين" يزحفون نحو السلطة، بل قل نحو إقامة الخلافة السادسة، فقد صوابه وبدأ يهدد ذات اليمين وذات الشمال.
لنعد الى حزب الأصالة والمعاصرة، ليس في تفرده وممارسته نوعا من النقد الذاتي أية مفاجئة بالنسبة لنا كمتتبع موضوعي، ربما تعود قدرة هذا الحزب على التكيف مع الظروف المحيطة بنا إقليميا ودوليا الى كون مجموعة من مناضلي اليسار المنفتحين، وليس كل مناضلي اليسار طبعا، المنخرطين في تجربة الأصالة والمعاصرة لهم تأثير واضح على مسار الحزب نحو شق طريقه الى الواقعية والحداثة السياسيتين. وهذا مهم جدا. لا يهم من أي موقع يمكن المساهمة في الدفع نحو الحداثة لسبب بسيط هو أن كل الأحزاب هي ملتفة على المؤسسة الملكية ولم يعد هناك ما به يزايد هذا الطرف على الأخر. المهم هو قول الأشياء كما هي وليس ممارسة التضليل.
كنا طبعا من أشد منتقدي تشكيل هذا الحزب، كنا في انتقادنا لهذه التجربة نصدر من مرجعية يسارية جامدة... اليوم وبعد تتبع طويل لما يجري في المشهد الحزبي ارتأينا أن نقول ما توصلنا إليه بدون محاباة أحد. لا يهمنا سوى أن ندفع مختلف الأطراف (الدولة، الأحزاب السياسية، المواطنين) الى الحداثة السياسية، تلك التي يجعلنا غيابها غير منتظمين حزبيا في هذه المرحلة، وربما كان لعدم انتظامنا الحزبي شيء مفيد في نقد المنظومة الحزبية، مع أن كل أملنا دفع هذه المنظومة الى الحفاظ على الخصوصية التاريخية المغربية والانتقال بها الى الحداثة في إطار دولة قوية عادلة وذات سيادة وطنية تفتخر بها الأجيال المقبلة من المغاربة. التاريخ يفرض علينا ليس فقط الانتقال بل التحول الجذري لكن بشكل هادئ حتى لا نخطئ الوجهة المأمولة؛ وكل أملنا أن نكون نحن المغاربة من يصنعون هذا التحول بشكل جماعي وبمحض إرادتنا ولا يصنعه لنا ذلكم التدخل الأجنبي. إننا في منعطف تاريخي حساس ولا بد للمصلحة العليا أن تعلو على الصراعات الحزبية الانتخابوية.
علي اوعسري
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات