عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

1- هل كانت مشاركة القوى اليسارية مؤثرة في هذهِ الثورات؟ و إلى أي مدى؟

أرسل إلى صديق طباعة PDF
1- هل كانت مشاركة القوى اليسارية والنقابات العمالية والاتحادات الجماهيرية مؤثرة في هذهِ الثورات؟ و إلى أي مدى؟
ج: في البداية وكما أكدنا في مقالات تحليلية سابقة كنا نشرناها في موقع الحوار المتمدن، ليس كل ما يجري الآن هو ثورة بالضرورة. هناك اختلاف أكاديمي، هذا إذا تركنا الاختلاف الإيديولوجي جانبا، حول تحديد دقيق لما يجري من حراك جماهيري في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وبكل تحفظ موضوعي نرى نحن أن الوقت لم يحن بعد لتصنيف هذه الحراكات الجارية ضمن مفهوم الثورة. من الأشياء البديهية في الثورة – حتى تكون ثورة بالمعنى الاجتماعي والتاريخي- أنها ليست حدثا ارادويا، غير مرتقب وقت حصوله، رغم إمكانية التنبؤ به أحيانا، كذلك ينبغي أن تتوفر لكل ثورة قيادة طبقية طليعية وتاريخية تمكنها من الوصول الى أهدافها في التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي والإيديولوجي لصالح الطبقة الكادحة وعموم الشعب بما يضمن العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية. بدون تحقيق هذه الأمور الأساسية لا يرقى أي حدث كيف ما كانت طبيعته وكان حجمه الى مستوى الثورة.
بكل بساطة فان الثورة حدث تاريخي لا بد لكي يتحقق أن تتوافر له شروطه الموضوعية المميزة له داخل كل بنية اجتماعية هي في مأزق تطور بفعل احتدام الصراع الطبقي القائم أساسا وفي المرحلة الرأسمالية –بكل أطوارها – على التناقض الجدلي العضوي بين رأس المال والعمل المأجور.
طبيعي جدا انه ورغم التشابه القائم بين البنيات الاجتماعية لبلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أن تطور التشكيلات الاجتماعية بها لا يزال يكتنفه غموض كبير سواء من ناحية الفرز الطبقي، التشكل الطائفي، الإثني، المذهبي، أو من ناحية الوعي الإيديولوجي باعتباره وعيا تاريخيا مزيفا لا عقلانيا. كل هذه العوامل المتشابكة تجعلنا نستحضر دائما، في تحليلنا لما يجري، وجود تفاوت في التطور العام الذي تعرفه شعوب هذه المنطقة، ومن ثم تميز كل تجربة على حدة بحيث يصبح الحديث عن ما يجري وكأنه شيء متماثل أمرا في غاية التبسيط الذي هو ضد منطق التحليل المادي الجدلي التاريخي الذي ينبغي أن يعتمد منهجا للتحليل الواقعي –وليس الدوغمائي- لقوى اليسار وهي تنخرط في هذه الحراكات.
من هذا المنطلق يمكن القول أن الحراكات، بما هي شعبية بشكل عام وشبابية بشكل خاص، تحتوي في إطارها على فعل يساري، أو قل للدقة أفعال يسارية مختلفة، وهذا راجع الى تعدد المواقع والمصالح الطبقية حتى في صفوف قوى اليسار نفسها؛ بمعنى أدق أن قوى اليسار ليست لها نفس المصلحة ولا نفس التقدير ولا نفس المدى من الانخراط في هذه الحراكات، وهذه ملاحظة منهجية لا ينبغي القفز عليها والتعامل مع قوى اليسار وكأنها جميعها ممثلة لمصلحة الجماهير الكادحة.
فيما يخص ما يجري الآن، يمكن استثناء التجربة الليبية التي خصصناها بمقالات عديدة والتي لم تعرف مشاركة أحزاب ونقابات لسبب بسيط أن ليبيا لم يكن بها أحزاب ولا نقابات ولا مجتمع مدني وهذا مؤشر على تميز التشكيلة الاجتماعية الليبية في تطورها الخاص بها والذي في نظرنا لم يكن مهيئا لأية ثورة، مما أدى الى سيناريو مرعب وغير نموذجي ولا يمكن استحسانه على الإطلاق... انه نموذج التدمير وتفكيك البنى الأهلية الماقبل رأسمالية في غياب شروط اجتماعية واقتصادية، بسبب من الدمار، من شأنها إرساء بنى جديدة قمينة بتطوير الشعب الليبي. السمات المميزة للتجربة الليبية هي: التدخل الامبريالي، تفكيك البنى التقليدية الحاضنة للشعب في غياب بنى جديدة، ضياع السيادة الوطنية وهو ما لا ينبغي أن يكون نتاج آية ثورة على الإطلاق. بشكل مكثف يمكنني القول أن أي حراك لا يؤدي الى الحفاظ على الوحدة والسيادة الوطنيتين ليس ثورة.
قلنا أن هناك عدة أفعال يسارية، وليس فعل واحد. مثلا في تونس وبعد مدة من التردد انخرطت النقابة الأساسية في البلاد في الحراك مما شكل في حينه، والى جانب موقف الجيش، دعما للحركة الثورية التونسية. في المغرب هناك يساران: يسار "الحركة الوطنية" وهو يسار تقليدي قومي عروبي في خطه العريض، وهو يسار متحالف تاريخيا مع المخزن وكان له موقف معاد للحراك الجماهيري ل20 فبراير. وهناك يسار "أممي" كلاسيكي، يمكن القول إن شئنا راديكالي ينهل في خطه المحوري من الإيديولوجية الماركسية اللينينية، وهو بذلك دوغمائي يعاني من اشكالات فكرية نظرية وممارساتية، خصوصا في جدلية ممارسة الصراع الطبقي والوطني، مما يجعله في الساحة السياسية المغربية في الهامش دائما. وهذا اليسار كان له موقف داعم للحراك الجماهيري قبل أن يرتكب في نظرنا خطأين: أولهما أنه حاول أن ينتقل من دعم الحراك الجماهيري، الذي يحتضن مجموع الرؤى المجتمعية وليس فقط رؤية حزبية معينة، الى فرض رؤيته الخاصة على الحراك الجماهيري. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على قصر نظر فكرية لا تميز بين حقول الممارسة السياسية والاجتماعية، وتحديدا مستلزمات الفعل في الاتحادات الجماهيرية. ثانيهما أنه في محاولته فرض رؤيته الخاصة هذه لم يجد سوى جماعة العدل والإحسان للتحالف معها وهي جماعة اسلاموية أصولية تتغيى إقامة الخلافة الراشدة، وهذا خطأ قاتل، لأنه لم يعي جيدا ومنذ البداية ذلك المخطط الامبريالي الاستعماري المتحالف في هذه المرحلة التاريخية مع قوى الإسلام السياسي بشتى تلاوينها الفكرية والتنظيمية والعقائدية. وممارسة الصراع ضد هذا التحالف بين الامبريالية الجديدة وحركات الإسلام السياسي يعتبر في تقديرنا التناقض الرئيس في هذه المرحلة التاريخية التي نمر منها. وهذا لا يعيه للأسف هذا النوع من اليسار الراديكالي الذي بممارسته هذه يدفع في اتجاه وصول الاسلامويين المدعومين امبرياليا الى السلطة من حيث لا يعي.
وحتى لا ندخل في الحديث عن كل تجربة على حدة، نعتقد أن اليسار الراديكالي كان حاضرا في مجمل الحراكات، لكن حضوره لم يكن ذي أثر فعال في توجيه الحراك الجماهيري لأنه بكل بساطة وبشكل يكاد يكون هو الغالب لم يستطع هذا اليسار أن يخرج من دوغمائيته –حتى لا نقول أصوليته- ليعانق هموم الجماهير، كما هي مجسدة في الواقع وليس كما يتمثلها اليسار وهو قابع في إيديولوجيته الماركسية اللينينية. أضف الى ذلك أن قوى عديدة من اليسار الوطني القومي ذي النزعة البرجوازية الصغيرة كان جزءا من الاستبداد طيلة السنين والعقود الأخيرة، فلا صورته عند الشعب أسعفته لقيادة هذه الحراكات ولا مصالحه المتشابكة مع الاستبداد جعلته يصطف الى جانب الشعب.

2- هل كان للاستبداد والقمع في الدول العربية الموجه بشكل خاص ضد القوى الديمقراطية واليسارية دوره السلبي المؤثر في إضعاف حركة القوى الديمقراطية واليسارية؟
ج: مما لاشك فيه أن سياسة القمع التي مارسها الاستبداد في كل دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خاصة في حق القوى اليسارية الديمقراطية ترك أثره البالغ في تقزيم الدور التاريخي الذي كان من المفترض أن تلعبه هذه القوى في الانتقال بالجماهير من حالة التسيب والاستلاب والإحباط واللاتنظيم الى حالة من الفعل الثوري المنظم على قاعدة إرساء وعي طبقي قمين بمحاربة الإيديولوجية البرجوازية المهيمنة التي اتخذت أشكالا تاريخية محددة، حسب كل مرحلة على حدة (وطنية، قومية، والآن اسلاموية).
لكن هذا القمع لوحده ما كان له لأن يكون فعالا الى حد إضعاف القوى اليسارية والديمقراطية الى هذا الحد؛ ذلك أن هذا الضعف يكاد يكون السمة المميزة لكل قوى اليسار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي سمة تاريخية ملازمة للفكر اليساري في هذه المنطقة التي تتميز تاريخيا بتجدر وهيمنة المؤسسات الدينية التقليدية سياسيا وإيديولوجيا سواء على مؤسسات الدولة الهجينة أو على المجتمع ذي الوعي المزيف بسبب من سيادة هذه الهيمنة الدينية بالذات.
اليسار في هذه المنطقة خاض صراعات مشروعة ضد هذه المؤسسات الدينية التي ينبغي المزيد من النضال من أجل تحييد أدوارها المهيمنة على السياسة والدولة، لكن لم يكن بمقدوره –أي اليسار- أن يعي الدور المعقد للعامل الديني في ممارسة الصراع الطبقي، خاصة في شقه الإيديولوجي، فارتكب أخطاء قاتلة جعلته تاريخيا في الهامش من الحقل السياسي. لم يكن بمقدور اليسار أن يؤهل عموم الشعب يميز بين الصراع ضد المؤسسات الدينية وبين الصراع ضد الدين الذي ينبغي لليسار أن يناضل من أجل أن يكون الدين شأنا خاصا/فرديا لا عاما/سياسيا. هذا في أحسن الأحوال، أما في أحايين كثيرة فهناك من القوى اليسارية من انزلق الى ممارسة الصراع ضد الدين عوضا عن المؤسسات الدينية. لقد كانت كلفة هذه المواقف الملتبسة مكلفة على الفكر الديمقراطي والتقدمي، وبذلك خسر اليسار الكثير من المواقع التي كان يفترض أن تكون له بالنظر الى حجم التضحيات الجسيمة التي قدمها المناضلون اليساريون في العديد من هذه البلدان.
هناك عامل أخر ساهم في إضعاف اليسار في هذه المنطقة وهو باختصار عدم قدرة اليسار في عمومه على قراءة التحولات الدراماتيكية على المستوى الكوني خلال تسعينيات القرن الماضي اثر انهيار المعسكر الشرقي وجدار برلين. هناك عناصر طليعية مثقفة في اليسار كان لها عمق استراتيجي في الفكر والتحليل الرصين، فتنبهت في حينه الى حجم تلك التحولات وتداعياتها المستقبلية، غير أن معظم قوى اليسار ظلت تطلق أحكام قيمة من دون أن يكون لها أثر في الفعل التاريخي، بل ذهبت الى حد نعت كل من قدم قراءة مطابقة للتحولات الجارية بكونه أضحى حليفا للطبقة المهيمنة. وفي حالتنا المغربية نقول اضحى مخزنيا.
هذا ما جرى بالضبط في تجربة الانصاف والمصالحة في بلادنا المغرب، فبينما تحمل الراحل ادريس بنزكري رحمه الله مسؤولية الانخراط في انجاز مصالحة وطنية، ولو يسقوف مطالب دنيا بالنظر لاكراهات المرحلة وعدم تكافؤ ميزان القوى المحلي والدولي، ذهب بعض اليسراويين الى حد نعته بكل الصفات المشينة. رغم ذلك تمكن الراحل وبدون مساندة من هؤلاء اليسراويين من تدبيج توصيات الانصاف والمصالحة التي تبين في أخر المطاف أنها كانت جريئة وقمينة بتحقيق دولة الحق والقانون. اليوم وبعد مرور سنين عديدة نرى هؤلاء اليسراويين يطالبون الدولة بتطبيق تلك التوصيات التي دبجها الراحل بنزكري الذين يصفونه بالمخزني. ولو اصطفوا الى جانب المرحوم في تلك المرحلة لحقق المغاربة الشيء الكثير من تلك المصالحة. ليست السياسة في أخر المطاف سوى فن تحقيق الممكن في اللحظة المناسبة، عدا هذا تستحيل الممارسة السياسية شعارات وخطب و"مبادئ" لا أثر لها في تغيير الواقع بكل تعقيداته وتناقضاته المحركة له.
إن عدم قدرة اليسار على مطابقة أفكاره مع مستلزمات التطور الفعلي جعل فئات جديدة، وخاصة الشباب يبتعد عن اليسار لأنه بكل بساطة لا يعبر عن هموم وانشغالات الشباب وحاجياتهم في هذا العالم الجديد.

3- هل أعطت هذه الانتفاضات والثورات دروساً جديدة وثمينة للقوى اليسارية والديمقراطية لتجديد نفسها وتعزيز نشاطها وابتكار سبل أنجع لنضالها على مختلف الأصعدة؟
ج: مما لا شك فيه أن هذه الانتفاضات، أو لنقل تجاوزا الثورات حتى يتبين التاريخ وحده ذلك، هي حبلى بالدروس والعبر. وعلى كل فاعل سياسي، لا إيديولوجي، أن ينكب على دراسة ما جرى وما يجري في إطار مادي تاريخي، وفي سياق التحولات الكبرى وغير المسبوقة التي يعرفها العالم سواء في مركزه الرأسمالي المهيمن والموجه في المرحلة التاريخية الراهنة للفعل الإنساني والتاريخي، أو في محيطه التبعي وليس العربي فقط.
فبالقدر الذي ما يزال هناك تأخر تاريخي لدى المحيط الرأسمالي التبعي خاصة في بناء الانسان، عبر تخليصه من الوعي المزيف اللاهوتي وإقحامه للحداثة، أو للدقة لما بعد الحداثة، فبنفس القدر يبدو العالم، مركزه المتقدم الحداثي العقلاني الديمقراطي ومحيطه المتأخر اللاحداثي اللاعقلاني اللاديمقراطي في مجمله، وكأنه عالم واحد متشابك يتماثل فيه المركز والمحيط. إن هذا الالتباس التاريخي هو شكل من أشكال هيمنة الوعي المزيف اللاهوتي في المحيط الرأسمالي التبعي والذي لم يعد سوى مجالا للاستهلاك والفرجة والعنتريات والأصولية والريع المرتبط بالبترودولار الخليجي المتحالف مع قوى الإسلام السياسي التي نراها الفائز الأكبر من كل هذا الذي يجري من حراك اليوم. إن استغلال هذا التحالف الريعي الخليجي الاخواني بمباركة امبريالية لهذه الحراكات هو أحد الأسباب الرئيسة في تحفظنا على توصيف ما يجري كونه ثورات، وحتى لا نسقط في فخ الجاهزية الإيديولوجية فضلنا ترك الحكم للتاريخ وحده.
من هذا المنطلق ينبغي على قوى اليسار أن تنكب على دراسات علمية ومعرفية (ربما حصلت قطيعة ابستيمولوجية في مفهوم الثورة بعد هذا الذي يجري الآن) لتدارك تلك الرؤى الجاهزة النمطية للمجتمع والتاريخ ...
إن التاريخ لا يتكرر إلا بشكل كاريكاتوري.... في النهر لا يمكن للمرء أن يستحم بنفس الماء مرتين. لذا ينبغي على قوى اليسار وخاصة اليسار الماركسي اللينيني أن يبتعد عن دوغمائيته التي تقوده في كثير من الأحيان الى تبني رؤى خاطئة للمجتمع والتاريخ. إن عظمة وعبقرية وتفرد لينين تكمن في كونه أحد، إن لم يكن الأوحد، الذي استطاع أن يستمد من الماركسية روحها المادي الجدلي التاريخي وينجز به ثورة اجتماعية تقدمية تاريخية لعبت فيها الطبقة العاملة دورا رئيسا، وتمكن من تدبير الصراع بما يحقق الهدف المركزي من أية ثورة اجتماعية، فحول الاتحاد السوفياتي من تأخر مزمن من حيث نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج الإقطاعية السائدة الى بلد يحتل المراتب الأولى عالميا من حيث التنافسية الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإستراتيجية مع بلدان المركز الرأسمالي وخاصة الولايات المتحدة.
إن ذلك كله لم يكن ليتحقق لولا أن خطابات واجتهادات لينين وممارساته الماركسية النابعة من قراءة عقلانية للظروف الاجتماعية وللشروط التاريخية لروسيا القيصرية والوضع الدولي لم تنفذ الى عموم الشعب وطبقته العاملة التي انخرطت في البناء وهو أهم وأعقد مراحل الثورة على الإطلاق.
ما ذا يجري الآن بالضبط في الكثير من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هو محاولات لهدم البنى السياسية في بنيات اجتماعية تعاني التأخر والجهل وسيادة الفكر اللاهوتي وغياب مظاهر العقلانية والحداثة، حيث لا وجود لبدائل سياسية سوى الاسلاميين. والانكى من ذلك كله هو أن القوى التي يفترض فيها أن تمتلك الأجوبة لمراحل البناء، وهي طبعا القوى اليسارية والليبرالية حتى، هي قوى هامشية في المشهد بسبب من هيمنة الاسلامويين وبقايا وفلول الأنظمة المتهالكة على مجريات هذه الحراكات التي لا تتوفر فيها البوصلة الضروري لنقل هذه المجتمعات الى بر الأمان وتجنيبها إعادة سيناريوهات ربما ستكون أكثر فتامة وضلامية من سيناريوهات الأنظمة الاستبدادية.
حتى لا نطيل لا يكفي لقوى اليسار ترديد مقولات جاهزة كانت صالحة في ظروف موضوعية وشروط تاريخية محددة، وهي ليست سوى اجتهادات عينية لقادة سياسيين كبار (لينين نموذجا)، ما يهمنا في هذه المرحلة التاريخية هو التعامل الموضوعي والتاريخي مع ما تفرزه البنيات الاجتماعية، في مأزق تطورها، في دول المحيط الرأسمالي المتأخر، في محاولة لقراءة عقلانية لمتطلبات المشهد. وفي نظري احدى أهم النقاط التي ينبغي تناولها وإيجاد الأجوبة لها هي كيفية تقويض قوى الإسلام السياسي ومحاربة الإيديولوجية الدينية باعتبارها شكلا من أشكال تمظهر الإيديولوجية الرأسمالية الامبريالية في المرحلة الراهنة. من هذا المنطلق بالضبط كانت لدينا تحفظات حتى على حركة 20 فبراير في بلادنا المغرب خاصة بعد تتبع دقيق لبعض الأفكار الضلامية الاسلاموية المهيمنة فيها والتي لا مانع لديها في الاستعانة بما تصفه تدخلا أجنبيا.
نستغرب كثيرا كيف يتحالف اليسار الراديكالي في هذه الحراكات مع قوى الإسلام السياسي الراديكالية، هذه الأخيرة لا تجد مانعا في الإجهاز على كل القيم والمبادئ المتصلة بالحرية والديمقراطية طالما أتيحت لها فرصة ذلك (خطبة "تحرير" ليبيا نموذجا). ينبغي إذن على اليسار أن يحدد موقفه بشكل واضح ونهائي من هذه القوى الضلامية التي تستعمل الدين في صراعات لا شأن لها بتدبير الشأن العام. أروبا لم تقطع مع مرحلة صكوك الغفران لولا جرأة وشجاعة قادة الإصلاح الديني الذي توج بتجريد الكنيسة من كل السلطات السياسية والرمزية التي كانت تتمتع بها في زمن الإقطاع الاروبي.

4- كيف يمكن للأحزاب اليسارية المشاركة بشكل فاعل في العملية السياسية التي تلي سقوط الأنظمة الاستبدادية ؟ وما هو شكل هذهِ المشاركة ؟
ج: في الحقيقة نحن إزاء مأزق تاريخي يجد جذوره في عديد الأمور التي ناقشناها في الأسئلة السالفة والتي قلنا فيها أن قوى اليسار لم تستطع النفاذ الى عمق المجتمعات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لكن الاستمرار في تحليل أسباب انحسار اليسار غير كاف للتعاطي مع متطلبات المرحلة السياسية الراهنة بعد سقوط رؤوس الأنظمة، وليس الأنظمة باعتبارها بنى سياسية لا زالت قائمة رغم خلخلتها إبان هذه الحراكات.
في ظل هذا الوضع المعقد الانتقالي لا توجد بدائل ومداخل كثيرة للمشاركة اليسارية سوى القبول بالانخراط في الفعل التأسيسي الانتقالي والعمل من خلال هذا الانخراط الواعي على تدارك النقص الحاصل في أداء اليسار في المراحل السابقة. ورغم ما لليسار من ضعف في تمثيليته الجماهيرية التي لن تسعفه لتوجيه الوضع الانتقالي الى ما يخدم المصالح الآنية والبعيدة للجماهير والطبقة العاملة، رغم هذه التمثيلية الضعيفة إلا أن اليسار إن كان يجيد الممارسة السياسية في المراحل الانتقالية ينبغي إن يستحين هذه الفرصة التاريخية لبناء أسس مدنية صلبة عليها يمكن بناء نظام سياسي مدني، تعددي، ديمقراطي ومبني على العدالة الاجتماعية والحرية باعتبارها أساس الإبداع البشري والتطور الإنساني.
هناك صعوبات تعترض بناء هذا النوع من النظام السياسي بسبب من هيمنة القوى الاسلاموية من جهة وتدخل القوى الامبريالية في اللعبة من جهة أخرى، إلا أن هذا لا يمنع اليسار، وقد استحضر كل تجاربه الماضية واستخلص منها الدروس اللازمة، أن يفرض مشروعه الاجتماعي والسياسي في إطار توافق وطني عريض يشمل كل المدافعين عن القيم المشار إليها آنفا. في المراحل الانتقالية لا يمكن لأية قوة سياسية لوحدها مهما كانت قوتها أن تنجح في القيادة، ومن ثم ينبغي على قوى اليسار أن تعي أن الاسلامويين رغم هيمنتهم الكمية/العددية فإنهم عاجزون لوحدهم على تأمين المرحلة الانتقالية التأسيسية. وهنا تبدو لنا فرصة اليسار سانحة لوضع مجموعة من النقط على الحروف لا إعطاء شيكات على بياض. اظافة الى هذا ينبغي على اليسار أن يعمل بوعي على استمالة كل القوى الحداثية التي بطبعها ليست يسارية الى صفه، فلهذه القوى الحداثية موقعها ووزنها ولا ينبغي في إطار التصنيفات الاخلاقوية التي دأبت عليها قوى اليسار لسنين طويلة أن نفرط في العناصر الحداثية، ذلك أن تصنيفها كونها ليست يسارية، أي رجعية، سيجعلها تصطف الى جانب الاسلامويين. أعود واكرر أن السياسة هي فن تحقيق الممكن وليس انتظار ما ينبغي أن يكون.

5- القوى اليسارية في معظم الدول العربية تعاني بشكل عام من التشتت. هل تعتقدون أن تشكيل جبهة يسارية ديمقراطية واسعة تضم كل القوى اليسارية والديمقراطية العلمانية ببرنامج مشترك في كل بلد عربي, مع الإبقاء على تعددية المنابر, يمكن أن يعزز من قوتها التنظيمية والسياسية وحركتها وتأثيرها الجماهيري؟
ج: الجماهير في هذه المرحلة خرجت من عقالها ولا أحد في الكون له السلطة المعنوية والرمزية على هذه الجماهير، فهي تتحرك من خارج أي تنظيمات سواء يسارية أو اسلاموية. الإشكال أن هذه الجماهير غير منظمة ولا عهد لها بالممارسة السياسية التي هي من اختصاص الفاعلين السياسيين، أو قل الأحزاب السياسية، لكن بعد خمود الحراك مؤقتا –لأن الحراك لا زال جاريا- لا يبقى سوى الفعل السياسي المنظم الذي يمارسه الفاعلون السياسيون من خلال أحزابهم. الى هنا الأمور جيدة. أين يكمن المشكل إذن?
المشكل العويص يكمن في كون وتيرة الحركة الجماهيرية غير المنظمة ليست صدى مباشرا للوعي السياسي-التنظيمي في المجتمع. لذا حين نكون بصدد تدبير المرحلة الانتقالية لا بد من إجراء الانتخابات التي هي مرتبطة ليس بعفوية الحركة الجماهيرية بل بالتمثيلية التي تحددها عوامل أخرى ليست بالضرورة على علاقة مباشرة مع الدوافع العفوية للحركة الجماهيرية. هنا تكمن الإشكالية الكبرى والتي لا نعتقد أن اليسار يستوعبها جيدا.
في الانتخابات تبرز عوامل مجتمعية ذات علاقة بطبيعة وجوهر المجتمع المحافظ الذي لا يرى الخلاص إلا من خلال الاسلامويين الذين يتحدثون لغة دينية تثير هذه الطبيعة الجوهرية المحافظة للمجتمعات الاسلامية. إذن هنا تبرز عوامل سوسيولوجية، تاريخية، روحية، دينية وثقافية عميقة هي جوهر الوعي المجتمعي أو قل حتى الوجود المجتمعي الاسلامي في شرطه التاريخي وفي أصالته. هنا إذن تجد الجماهير المركبة في كينونتها على هذا النحو تميل الى التصويت على الاسلامويين، وهذا لا يعني أن الاسلامويين هم من يؤطرون حاليا مثل هذه المجتمعات البالغة التعقيد.
إن هذا ما حدث في تونس بالضبط، فبينما كانت القوى الحداثية والديمقراطية تناقش شكل الدولة وطبيعة المرحلة الانتقالية والمسائل الدستورية والقانونية التأسيسية وطبيعة المؤسسات التي من المفترض أن تحل محل مؤسسات النظام المنهار، كانت قوى الإسلام السياسي، النهضة تحديدا، تخاطب الجماهير بخطابات هي في الحقيقة جوفاء لكن لها تأثيرها في وجدان وكينونة المجتمع التونسي الاسلامي بطبعه. هذه مسائل معقدة وما نريد التأكيد عليه بكل بساطة أنه هناك فرق كبير بين دوافع الحركة الاحتجاجية/الثورية العفوية وبين العوامل المتحكمة في التمثيلية المجتمعية، وهذه أمور غاية في التعقيد ينبغي على قوى اليسار أن تفتح فيها أفاقا للبحث العلمي السوسيولوجي والانتربولوجي، وليس فقط بلورة مواقف سياسية فيها. وهذا لن يتم إلا بإنشاء مراكز دراسات مستقلة ولا تحابي أحدا لأن البحث العلمي ينبغي أن يؤدي وظيفته على هذا النحو المحايد.

6- هل تستطيع الأحزاب اليسارية قبول قيادات شابة ونسائية تقود حملاتها الانتخابية وتتصدر واجهة هذهِ الأحزاب بما يتيح تحركا أوسع بين الجماهير وأفاقا أوسع لاتخاذ المواقف المطلوبة بسرعة كافية ؟
ج: السؤال بالشكل الذي طرح به يحيل ضمنيا الى صراع الأجيال والموقف من المرأة في الدول المتأخرة، وهذا ما لا نريد التركيز عليه في جوابنا، لأن الكثير من الفاعلين السياسيين ومنهم طبعا اليسار يتعامل مع المسألة الشبابية باعتبارها صراعا بين الأجيال، وبالتالي بين رؤيتين خاصتين ومختلفتين للعالم، أو قل لما ينبغي للعالم أن يكون عليه، ويتعامل كذلك مع المسألة النسائية كنوع من رد الفعل على الرؤية المجتمعية السلفية المحافظة بطبعها العام، وهذا غير صحيح على الإطلاق. من هنا نجدنا دائما نتحفظ على بعض الآليات التقنوية" التي بها تريد بعض الأنظمة وبعض الأحزاب المحافظة أن توهم الرأي العام الوطني والدولي أنها تدافع عن الشباب والنساء بتخصيص كوطة معينة تمكنهم من ولوج المؤسسات التمثيلية. إن هذه المقاربة التقنوية هي مقاربة بورجوازية لا ترى في الشباب والنساء سوى تلك التمثيلية المزعومة.
إن ما ينبغي التأكيد عليه من وجهة نظر تقدمية، في اعتقادنا، هو التعامل بكل سواسية مع الرجل والمرأة والشاب على أساس الكفاءة والالتزام الأخلاقي والسياسي والنضالي، حيث الأولوية لمن يستحقها. إن هذه الرؤية إن دلت على شيء إنما تدل على أولوية الكفاءة والديمقراطية على أمور هي نتاج سلوكات ورؤى رجعية ظلت تفرزها المجتمعات المحافظة مدعومة بمنطق بورجوازي هجين... إن التاريخ يعلمنا أن مرحلة الشباب هي المرحلة التي يكون فيها العطاء النضالي في أقصى حدوده، فلم لا فتح الطريق امام كل الشباب المثقف ذي الحنكة والتجربة السياسيتين، لان بدون الحنكة والتجربة لا يمكن للشباب النهوض بأعباء تدبير هذه المرحلة التاريخية البالغة التعقيد. خلاصة القول لا ينبغي للأحزاب اليسارية أن تكون ارادوية في مسألة تحميل الشباب والنساء مسؤوليات القيادة، الشرط الضروري في نظرنا لتولي هذه المواقع الطليعية هي الكفاءة والديمقراطية والتجربة والحنكة السياستين المطلوبتين في أية قيادة مهما كانت.... لا فرق إذن بين المرأة والشاب والرجل، وهذا ما ينبغي تكريسه لأنه يشكل في نظرنا الرؤية التقدمية القمينة بمعالجة المسألة النسائية والشبابية.

7- قوي اليسار معروفة بكونها مدافعة عن حقوق المرأة ومساواتها ودورها الفعال، كيف يمكن تنشيط وتعزيز ذلك داخل أحزابها وعلى صعيد المجتمع؟
ج: نعتقد أن هذا السؤال مرتبط بالسؤال السابق، لكن ما ينبغي التأكيد عليه أن المرأة وهي قد اقتحمت كل مجالات العمل والدراسة والتحصيل العلمي والنضال لم تعد بحاجة لمن يدافع عنها. انها – أي المرأة- الآن تدافع ليس فقط على نفسها كامرأة بل تدافع بنضالها على الحقوق الأساسية للإنسان باعتباره إنسانا سواء كان امرأة أو رجلا. حينما ننزلق بدون وعي الى مواقع الفكر البرجوازي النقيض للفكر اليساري، آنذاك نتعامل مع الحقوق الأساسية للمواطنين وكأنها حقوق مختلفة باختلاف الجنس، أي أن هناك حقوق للمرأة دون الرجل أو العكس. وهذا خطأ شائع في الممارسة وفي الفكر. لقد سبق وأن خضنا نقاشات مع مناضلات يساريات اعتمادا على منطقنا هذا، لكن للأسف لم يستطعن تمثل هذا المنطق الذي لا يفرق بين الرجل والمرأة إلا بالكفاءة والفعالية والالتزام النضالي والأخلاقي، بل قد ذهبن في اتجاه فهم أننا ضد حقوق المرأة. إن هذه التمثل الخاطئ لدى العديد من اليساريين واليساريات حول المسألة النسائية ليس في الحقيقة سوى أثرا لفكر محافظ وبورجوازي سائد ينبغي دحضه وتقويض أسسه. لأنه بكل بساطة ليس ذلك التمثل سوى رد فعل عن تلك الرؤية المحافظة التي تميز بين الرجل والمرأة.
إذن ينبغي داخل الأحزاب أن تناط المسؤوليات للنساء والرجال على حد سواء لكن باعتماد المعايير السالفة الذكر. هذا في نظرنا التعبير التقدمي الصحيح عن الدفاع على المرأة، وهذا المنطق، إن اعتمد داخل الأحزاب اليسارية، ينبغي الخروج به الى المجتمع، وهذا يتطلب الجرأة الكاملة لليسار للتعبير عن رؤيته التقدمية ولو كانت تخالف ما هو مألوف في المجتمع وإلا فان ذلك اليسار ليس يسارا.

8- هل تتمكن الأحزاب اليسارية والقوى العلمانية في المجتمعات العربية من الحدّ من تأثير الإسلام السياسي السلبي على الحرّيات العامة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة والتحرر ؟
ج: إن احدى وظائف، طبعا من بين وظائف أخرى، اليسار والقوى الحداثية بشكل عام –حتى لا أقول العلمانية بشكل خاص- هي الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الانسان في شموليتها، وليس كحقوق إنسان مفصولة عن قضايا المرأة (هناك تمييز في السؤال بين حقوق الانسان وقضايا المرأة، وهذا ما ندعو الى تجاوزه). هذه الحقوق هي في المرحلة التاريخية الراهنة أضحت حقوقا كونية، أي انها تشكل مكاسب إنسانية مشتركة بين جميع الشعوب كيف ما كانت أنظمتها السياسية.
إن كون هذه الحقوق وهذه الحريات العامة مكاسب إنسانية مشتركة يضع القوى الاسلاموية في مأزق بين ما تدعيه وما تنوي تطبيقه، وهي على كل حال لها من الفطنة والنباهة السياسية ما يكفيها حتى لا تدخل في هذه المشاكل التي تراها ثانوية مقارنة مع أهدافها الرئيسة الممثلة في الوصول الى السلطة والحفاظ عليها. إن القوى الاسلاموية تعي جيدا أن هذه الحقوق هي مكاسب إنسانية وتاريخية، وان الرأسمالية الغربية لن تقبل التراجع عن هذه الحقوق الليبرالية، ولأن قوى الإسلام السياسي تعلم أن استمراريتها في السلطة لن يتأتى بدون دعم الرأسمالية الغربية فهي كما قلنا لن تقوى على المس بهذه الحقوق. لكن ينبغي الحذر والتعامل مع كل حالة بحسب ما تتطلبه.
ليس التعميم هنا مفيدا... المهم بالنسبة لنا هو أن اليسار ينبغي أن يناضل ضد المحاولات الحثيثة التي تقوم بها الرأسمالية الغربية في هذه المرحلة لهدم وتفكيك مجموعة من الدول، ذلك أن الإطار العام والواقعي الذي فيه تتحقق هذه الحقوق هي الدولة. فان تفككت الدولة انمحت معها هذه الحقوق التي هي وليدة تشكل الدولة وتاريخيا وليس العكس. إذن الضرورة التاريخية تحتم على قوى اليسار أن تعي جيدا التناقض الرئيسي الذي في اعتقادنا يتجسد بين الطرح الديمقراطي الوطني وبين الامبريالية، فان حل هذا التناقض الرئيس هو يحمل في طياته حل إشكالية الإسلام السياسي. ومن هنا تبرز الضرورة التاريخية لعقد تحالفات عريضة بين كل القوى الحداثية والديمقراطية واليسارية لحماية الدولة المجال الذي فيه تتحقق كل الحقوق الأساسية سواء للمرأة أو الرجل.

9- ثورات العالم أثبتت دور وأهمية تقنية المعلومات والانترنت وبشكل خاص الفيس بوك والتويتر..... الخ، ألا يتطلب ذلك نوعاً جديدا وآليات جديدة لقيادة الأحزاب اليسارية وفق التطور العملي والمعرفي الكبير؟
ج: فعلا هذه الأحداث الجارية (قلنا سابقا أن التاريخ وحده سيحكم على هذه الإحداث إن كانت ثورات أم لا) أثبتت الدور الكبير الذي أضحت تلعبه وسائط الاتصال من انترنت وفضائيات في التعبئة والتنظيم وسيولة المعلومة مما يخلق تشابكا كونيا قل نظيره. لكن بالمقابل نطرح على القراء الكرام إشكالية أساسية وهي: ألم تلعب القوى الرجعية المحافظة دورا استراتيجيا، من خلال استعمالها المفرط لهذه الوسائط الإعلامية، في تنامي وصعود الظاهرة الاسلاموية وفي وصولها الى السلطة?. في هذا السياق، متى كانت "الثورات" في التاريخ توجه مباشرة عبر الفضائيات من المساجد كل يوم جمعة? أليس في هذا دلالات على محاولات أسلمة هذه "الثورات" ومن بعدها أسلمة "الدولة".
المشهد ضبابي ومعقد وهو يجري لصالح القوى الاسلاموية المستفيدة من الريع الخليجي الممثل في البترودولار، وكل ذلك ليس يجري دون أجندات إقليمية ودولية امبريالية. نعتقد أن اليسار لا يزال يعاني نقصا كبيرا في استغلال كل هذا الكم الهائل من الوسائط الإعلامية، وهذا راجع الى قلة الممولين والداعمين للطرح اليساري في المنطقة. ثمة مجهودات كبيرة ينبغي على قوى اليسار بذلها لتحقيق طفرة نوعية في هذا المجال، وهذا لن يتأتى دون الكد والبحث العلمي والاجتهاد لمسايرة التطورات العلمية والتقنية، والابتعاد عن الجاهزية في طرح واتخاذ المواقف التي ينبغي أن تبلور جماعيا وفي تقبل تام للنقد البناء.

10- مناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن، كيف تقيمون مكانته الإعلامية والسياسية وتوجهه اليساري المتفتح ومتعدد المنابر؟
ج: في النهاية يطيب لي كثيرا أن أكون ضمن كتاب الحوار المتمدن ممن تم توجيه الدعوة لهم للمساهمة في هذا الملف الذي جاء يصادف الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن، وهو ما يشرفنا كثيرا.. والحقيقة أن الحوار المتمدن باعتباره منبرا متفتحا ومتعدد المنابر ليس سوى ذلك المنبر المتميز، المتفرد والوحيد الذي جاء يحمل في طياته جينات الحداثة السياسية والفكرية والأدبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تلك المنطقة التي كانت تفتقد تلكم الجينات من الحداثة المطلوبة غير القابلة للتأجيل.
واليوم بعد مضي عشر سنين على تأسيس هذا المنبر، نعتقد بشكل جازم انه –أي هذا المنبر- أدى وظيفته الإعلامية والسياسية والفكرية التاريخية باعتبارها وظيفة ومهمة صعبة جرت وتجري في سياق إقليمي محافظ ما كان له أن يواجه هذا الكم الهائل من الأفكار التقدمية، الحداثية، الجريئة، الشائكة والضرورية التي نغصت عليه –أي على هذا المحيط المحافظ- "نعمته" المزيفة بموقعته وجها لوجه أمام هذه الأسئلة الوجودية الكبرى بما هي تحديات عقلانية وحداثية مصيرية لا بد للعقل المحافظ أن يجد لها أجوبة عقلانية وليست لاهوتية كما ألف في "نعمته" المزيفة.
المهمة الأساسية بدأت وهي تتمثل أساسا في خلخلة أسس البناء الفكري والسياسي التقليدي المحافظ، ما عليه –أي هذا الفكر المحافظ- إلا أن يواجه قدره المحتوم في إيجاد الأجوبة التاريخية الضرورية لمسائل وإشكالات ظل ولمدة قرون يستبعدها عن جدول أعماله بدعوى كم من حاجة قضيناها بتركها.
هنيئا إذن للحوار المتمدن ولكاتباته وكتابه ومزيدا من الجد والاجتهاد والنقد البناء من أجل غد تسود فيه العدالة الاجتماعية وينتفي فيها استغلال الانسان للإنسان. تلكم هي أحلامنا وأكيد أن الإنسانية في أخر المطاف ستنتصر على كل الجوانب السيئة في الانسان لتقيم عالما أفضل وواعد ومستقبل زاهر
علي اوعسري
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات