عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

عودة لمحنة الإسلاميين عبد الحليم قنديل

أرسل إلى صديق طباعة PDF
لم أتعود على التعليق على تعليقـــات القراء الكرام، وإذ أتوجه بخالص شكري واحترامي لعطف القراء على مقالاتي، وإقبالهم السخي على قراءتها، فإنني أرغب هذه المرة في التفاعل مع تعليقات بدت مخالفة لرأيي في مقال 'محنة الإسلامـيين'، وهي تثير نقاطا مهمة أحسبها مما يدعم رأيي، وليس وجهات نظر المخالفين .
تعليق أو أكثر شابه نقص الإلمام بسيرة الكاتب، وبرؤاه الكلية، فقد وصفني تعليق لقارئ بأنني من العلمانيين، والتعليق مخطئ تماما، فلست علمانيا، ولا من أنصار دولة دينية ينكرها الإسلام، أنا قومي عربي معتز بدين الإسلام وثقافته، والإسلام دين الغالبية العربية، وثقافة الكل مسلمين ومسيحيين عرب، وعلاقة الدين بالدولة عندي متصله بالفهم الصحيح لشمول الإسلام، ففي الإسلام شمول إلزامي وشمول توجيهي، الشمول الإلزامي محصور في دائرة ما يأمر به النص القرآني والنص النبوي قطعي الورود وقطعي الدلالة، وهذه دائرة محددة، ولا تقبل الإضافة إليها من غير بابي القياس والاجتهاد، أما الدائرة الأوسع لشمول الإسلام، فهي توجيهية تماما، وبغير إلزام ولا تفصيل في النصوص الدينية، وتحكمها قيم إسلامية عامة كالحرية والاختيار والمساواة والتوحيد والعدالة وأولوية الجماعة، وهي دائرة تتسع مع الزمن، ومع تطور المجتمعات، وتختلف من مكان إلى مكان، ومن زمن إلى زمن، وييدع فيها الإنسان نظرا وتطبيقا، ويختلف فيها الناس الذين يدفع الله بعضهم ببعض، وينشئون نظريات الاقتصاد والسياسة والأمن، فالإسلام ليس لائحة تعليمات معلقة على حائط، وفي الإسلام عقيدة وشريعة، ودين ودنيا، لكن المهم - في كل الأحوال ـ دقة التفرقة بين الديني والدنيوي، ومعرفة الشمول الإلزامي الذي نؤمر به، والشمول التوجيهي الذي نختار فيه .
وبعض التعليقات مضت بعيدا عن جوهر ما قلت في مقال 'محنة الإسلاميين'، فقد عبرت عن دهشتي من المندهشين لفوز التيار الإسلامي في الانتخابات العربية الجارية، وقلت أن الإسلاميين أو من يسمون أنفسهم هكـــــذا، فازوا ويفــــوزون وسيفوزون، وفي انتخابات أي بلد عربي تجري بحرية الآن، وأوردت السبب، وهو طبيعة ما جرى للمجتمعات العربــية عبر عقود أربعــــة مضـــت من الهوان والانحطاط التاريخي، والانقطــــاع عن ســـباق العصر، وتوقف التصنيع والاختراق التكنولوجي والتنمية والتحديث، وتحول المجتمعات العربية إلى غبار بشري، وسيادة البؤس واليأس، وقـــد استقـــوت التيارات الدينيه بدواعي البؤس والــــيأس.
وفي ظل نظم حظرت العمل الســــياسي المعــارض جذريا في الشارع، وتركت ما تصورت أنه لا يضير بقائها، تركت المجال مفتوحا للدعوة الدينية والعمل الخــيري، وعلى طريقة الإحلال محل السياسة، وكانت المحصــــلة كالتالي، فقــــد خاطبـــت التـــيارات الدينية بؤس المجتمع كجمعية خيرية، وخاطبت يأس المجتمع كجمعـــية دينية، وهو ما أدى لتضخم موارد وطاقات الجماعات الدينية، وسواء كانت جماعات إسلامية، أو حتى جماعات مسيحية كالكنيسة المصرية مثلا، ولم يشارك هؤلاء ولا أولئك في الدعـــوة للثورة، ولا في المبــادرة إليها، لكن الثورة أزاحت قيد النظم العائلية المتحكمة الناهــبة، ومع أول انتخابات تجري بعد ثورة، يكون هؤلاء هم الحــــاضرون وحــدهــــم تقريبا، ويسود التصويت الديني، وتتحول الانتخابات إلى استفتاءات على ربنا سبحانه وتعالى، ويفوز اليمين الإسلامي، ويكون عليه بعد السكرة أن ينتبه للفكرة، وأن يتحول فوزه بالتصويت الديني إلى محنة حكم، وإلى امتحان يكرم فيه الإسلاميون العرب أو يهانون، ثم تكون لحظة الحساب العسير في الانتخابات التالية .
وبعض التعليقات المخالفة بدت أكثر جدية، ووصلتها رسالة المقال التي تصورت في التيار الإسلامي قرينا لا نقيضا لنظم حكم ذهبت وتذهب، ورجحت فشل الإسلاميين في إحداث النهضة والتصنيع وعدالة التوزيع، وبحكم كونهم تيارا يمينيا، لا يختلف برنامجه الاقتصادي والاجتماعي بالذات عن برنامج الليبراليين، فالكل من أنصار شريعة السوق، وتفضيل التفاهم مع الأمريكيين، والتعهد بإبقاء معاهدات العار مع الإسرائيليين، وهذه هي الخطوط العامة لبرنامج الإسلاميين العرب الآن، ولن يتغير البرنامج إلا إذا تغير أصحابه، وقد وافقتني تعليقات مخالفة على بؤس تجارب الحكم العربية المنسوبة للتيار الإسلامي، وسواء كانت في نظم الخليج التي تدفع المليارات لدعم نفوذ الإسلاميين، أو في تجربة العراق بعد الاحتلال، أو في تجربة الهلاك الصومالي، أو في تجربة التفكيك السوداني، لكن التعليقات المخالفة لفتت النظر إلى تجارب ناجحة جدا، كما في ماليزيا وتركيا.
والمثالان الناهضان خارج الدائرة العربية موضوع النقاش، ويغريان بإيراد أمثلة بائسة منسوبة أيضا للتيار الإسلامي خارج النطاق العربي، وكحالتي باكستان وأفغانستان تحت حكم طالبان، لكن حالتي ماليزيا وتركيا مختلفتان تماما، فمهاتير محمد أبو النهضة الماليزية ليس من التيار الإسلامي بالمعنى المفهوم، وحزبه قومي ماليزي معتز بثقافة الإسلام، والأحزاب 'الإسلامية' في ماليزيا معارضة تماما لتجربة مهاتير، وتسقط بانتظام في كل انتخابات تجرى هناك، والسبب ظاهر، وهو تداعى البؤس واليأس مع نهضة ماليزيا المقتدرة، والمعنى: أن مثال النهضة الماليزية بلا محل من الإعراب في نقاشنا، ويؤكد ما ذهب إليه مقالنا عن 'محنة الإسلاميين' العرب، كذا الأمر بالضبط في مثال النهضة التركية، فحزب أردوغان ليس حزب إسلاميا بالمعنى الذي نعرفه في عالمنا العربي، وإن حاول البعض عندنا تقليد اسم حزب 'العدالة والتنمية' التركي، وعلى طريقة السيدة الصلعاء التي تتباهى بكثافة شعر بنت أختها، ففي المغرب أطلقوا على حزب الإخوان المسلمين اسم 'العدالة والتنمية'، وفي مصر أطلقوا على حزب الإخوان اسما مقاربا هو 'الحرية والعدالة'، لكن الفارق في الأفكار والقادة والتجارب شاسع ومهول، فحزب أردوغان حزب قومي تركي عاطف على ثقافة الإسلام، وليس حزبا إسلاميا، ولا يصف نفسه أبدا كذلك، بل يعلن بملء الفم أنه حزب علماني، وكل القصة أن أردوغان نفسه، وقطاع من مؤسسي 'حزب العدالة والتنمية'، كانوا أعضاء وقادة في حزب إسلامي تزعمه الراحل نجم الدين أربكان، لكنهم انفصلوا عن قطار أربكان من زمن طويل، فيما واصل أربكان سعيه الإسلامي، وأنشأ حزب 'السعادة' الإسلامي، والذي يسقط بانتظام في كل انتخابات تركية، ولا يحوز سوى على ثقة 3' من الناخبين الأتراك (!) .
يبقى أن كاتب السطور مع الاعتراف بنتائج الانتخابات، ومع دفع الإسلاميين الفائزين إلى تجربة الحكم المراقب ديمقراطيا وشعبيا، فالتجربة وحدها هي التي تعلم الناس، وتسقط الأساطير المزيفة.

' كاتب من مصر
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات