عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

خيانة المثقف لأفكاره السابقة د. علي محمد فخرو

أرسل إلى صديق طباعة PDF
عبر التاريخ الثقافي للبشرية غيًّر جمع من الفلاسفة والمفكٍّرين والكتاب بعضاً من آرائهم ومعتقداتهم السًّابقة إلى حدٍّ التناقض التام بين ما قيل أو كتب سابقاً وبين ما قيل أو كتب لاحقاً. كان ذلك طبيعيّاً ومقبولاَ ـ فالظروف المتغيٍّرة والاكتشافات الجديدة ونضوج الإنسان نفسه مع مرور الزَّمن يجعلون التغيًّرات الفكرية والعقيدية أمراً محتًّماً، بل ومطلوباً.
لكن هناك فرقا بالغ الأهميًّة بين ظاهرة التغيُّر والمراجعة الفكرية المقبولة تلك وبين خيانة ما قاله أو كتبه الإنسان سابقاً، خصوصاً إذا كانت الخيانة تلك ستنعكس آثارها على واقع الأمة والمجتمع لتزوًّره أو تفسده أو تغويه.
ولذلك فعندما يقوم مثلاً رئيس حركة معارضة عربية، وهو الذي كان محسوباً من المفكرين التقدميٍّين المتًّزنين ومن المناضلين الشرفاء غير الانتهازيين، عندما يقوم بإعطاء تصريحات وممارسة أفعال فيها رائحة خيانة لما قاله وكتبه وفعله في السابق، فان المنطق يقتضي طرح الأسئلة وتفكيك الأقوال والأفعال، خصوصاً وأن الأمر لا يقتصر على فرد واحد بعينه وإنما يطال أعداداً متنامية من مفكرين ومثقفي الأمة العربية عند تعاملهم ضدًّ أنظمة الحكم المستبدة وضمن ثورات وحراكات الربيع العربي المباركة.
السؤال الأول يتعلق بالمنهجية، فالذين نقصدهم كانوا من الذين كتبوا عن الديمقراطية أو ادعوا إيمانهم بأهمية الممارسة الديمقراطية في الحياة السياسية العربية. وكانوا يعيبون على المسؤولين الرسميين العرب أنهم يدًّعون تمثيل الأمة في أقوالهم وأفعالهم بينما أنهم كانوا في الواقع لا يمثلون إلاً ذواتهم المستبدة المنتفخة أو يتكلمون باسم أقلية عسكرية أو قبلية أو حزبية ينتمون لها. والسؤال إذن، هل أن تصريحات وأفعال هؤلاء المسؤولين في حركات المعارضة تمثٍّل معتقدات ومواقف وأقوال مجموعة صغيرة يجتمع أفرادها في فنادق عواصم العالم الكبرى ويقررون ويتحدثون استبداداً، ودون أية ممارسة لمنهج الديمقراطية الحقيقية الشفًّافة، باسم الكل من أتباعهم؟ وفي هذه الحالة، ما الفرق بينهم وبين المسؤولين العرب الذين كانوا ينتقدون ليل نهار؟ بل أليس في ذلك خيانة لأفكار ديمقراطية نادى هؤلاء بها ودبًّجوا عبر ماضيهم كله المقالات والكتب حولها؟
من هنا الاستغراب والهلع الذي أصاب الكثيرين منا عندما صرًّح أحد الكتاب المثقفين بأن حركة المعارضة التي ينتمي لها اتخذت قرارات منذ الآن، وقبل استلامها للحكم، بشأن قضايا بالغة الأهمية للأمة العربية، من مثل موضوع توازنات القوى في الأرض العربية أو موضوع المقاومتين العربيتين المباركتين في لبنان وفلسطين. هل فات على هذا القائد المثقف مقدار الزلزال السياسي والأمني الذي ستحدثه تصريحاته بشأن موضوعين مصيريًّين في الحياة القومية العربية يتعلق أولهما بتوازن القوى بين الامبريالية الامريكية وأتباعها من جهة وبين قوى الرافضين لتلك الهيمنة الامريكية من جهة ثانية؟ ويتعلق الثاني بأقدس وأطهر ظاهرة أفرزتها الأمة، ظاهرة المقاومة الباسلة للوجود الصهيوني الهمجي في فلسطين المحتلة؟
لكن أخطر ما في هذا التصريح ما لا ينطق به ويخفيه تحت ستار التخمينات. ألا يخاف بأن تتهم حركته بأن هذه التصريحات المفجعة هي الثمن الذي تدفعه للحصول على مباركة ومساندة الخارج لتنجح في الداخل؟ وإلاً فمن المستفيد الحقيقي من هذه التصريحات غير الثالوث الامريكي والصهيوني والعربي المتعاون المطيع؟
دعنا نكون صريحين: ليست هذه التصريحات المفجعة تغيراً في وجهة نظر قابلة للأخذ والعطاء، وإنما هي خيانة لمواقف وأفكار ومؤلفات وأحاديث سابقة. ونحن هنا لا نتًّهم أحداً بالعمالة ولا نتحدث عن خيانة الأوطان، وإنما نشير إلي خيانة النفس والضمير والتاريخ المكوٍّن للشخصية والذَّات. ومع ذلك لنسأل: في أية خانة نضع هذه التصريحات المفجعة؟
هل نضعها في قول الشاعر الامريكي ت. إس. إليوت من ' أن أكبر الخيانات هي عمل الشيء الصحيح للأسباب الخاطئة '، فيحقُّ لنا عندئذ أن نتساءل إن كانت مقاومتكم للاستبداد تقوم أساساً على أسباب خاطئة؟
هل نضعها في قول ملكة بريطانيا إليزابيث الأولى منذ أربعة قرون 'في الثقة وجدت الخيانة '، فنتحسَّر على فجيعتنا في الثقة التي منحناها لوطنيتكم وإخلاصكم وحسن نواياكم؟
أم نصنٍّف أقوالكم بأنها تخرجكم من زمرة المثقفين الملتزمين عندما نتذكر ما قاله الكاتب الفرنسي ألبرت كامو من 'أن المثقف هو الشخص الذي لديه عقل يراقب نفسه'، إذ من المؤكد أن تصريحاتكم تشير إلى أن عقلكم بالنسبة لهذا الموضوع قد اغتال نفسه بدلاً من مراقبة نفسه؟
لكن لن نسرد كل ذلك مع الأسف على كثير من انتهازيٍّي الثقافة بل سنحيلهم إلى كتاب الفيلسوف الفرنسي جوليان بندا المعنون 'خيانة المثقفين' الذي كتب في بدايات القرن الماضي عن مثقفي أوروبا، فلعلًّ مثل هؤلاء المثقفين يجدون فيه ما يجعلهم يراجعون أنفسهم، وذلك بعد أن كثرت خيانات الفكر الذي بناه هؤلاء عبر العشرات من السنين من حياتهم السابقة الناصعة.
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات