عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

الربيع العربيّ .. ملاحظات في مقام المخاوف د. علي الصالح مُـولَـى

أرسل إلى صديق طباعة PDF
لا شكّ في أنّ ما تمرّ به بعض البلاد العربيّة منذ بضعة أشهر تطوُّرٌ نوعيّ غيرُ مسبوق في تاريخ العرب السياسيّ الحديث والمعاصر. فقد تمكّنت احتجاجاتٌ ضخمة ودمويّة أحيانا في تونس ومصر وليبيا من الإطاحة بزمن سياسيّ عربيّ مَقيت قام على الاستبداد السياسيّ والقهر الاجتماعيّ والاعتداء على القيم والثوابت الروحيّة والتاريخيّة واستفاد من حماية دوليّة أعطته شرعيّة البقاء والإفساد في الأرض وتجنّدتْ للدفاع عنه ضدّ كلّ ما يهدّد ديمومته. والعجيب أنّ 'العالَم الحرّ والديمقراطيّات الكبرى' هُما مَن وفّرا للنظام السياسيّ العربيّ تلك الشرعيّة. والأسباب في ذلك مركّبة ومعقدّة قد يكون من أبرزها حرصُ 'العالَم الحرّ' على الحفاظ على الجغرافيا السياسيّة للشرق الأوسط هادئة بل راكدة ضمانا لمصالحه في إطار إستراتيجيا الهيمنة المتقاسمة بين مكوّناته من جهة، وفي سياق تأمين أفضل الظروف لإدماج الكيان الإسرائيليّ في النسيج الجغرافيّ والثقافيّ للمنطقة من جهة أخرى.
ويبدو للوهلة الأولى أنّ الانهيارات الكبرى التي اخترقت هدوء الجغرافيا ومَسَّتِ مجالاتِ الهيمنة في تونس ومصر في المقام الأوّل عجّلتْ وعلى نحو مُسْتَراب في تعديل دول الهيمنة من مواقفها فباركتْ، بعد أن سالت الدماء، طموحَ الشعوب إلى الحريّة والعدالة. وربّما وجدنا عندها ما يُشْبِه الأسف على وقوفها إلى جانب الأنظمة العربيّة المستبدّة. ولعلّها، وكأنّها تكفّر عن ذنوبها الثِّقَال، أقبَلتْ في حماس 'غريب' على الإسهام الفعليّ في إسقاط أنظمة أخرى بدأت تزدحم على أبوابها جماعاتٌ من المتظاهرين يزدادون يوما بعد يوم إصرارا على التغيير ورفضا لكلّ مناشدات هذه الأنظمة للحوار والتلاقي.
وإذْ لا يملك مَن يراقب عن كَثَب تطوّراتِ الأحداث وتعاقبَها السريعيْن إلاّ أنْ يُبارِك كلّ تحرّك شعبيّ عربيّ مستقلّ وَوَاعٍ من أجل الحريّة والكرامة، ويُسَرَّ لِمَرْأَى الطغيان يرتجف على ما كدّس من أدوات البطش وما اصطنعَ من أجهزةٍ للقمع والتنكيل، فإنّه لا يَعْدِمُ مَلَكةَ الإحساس بأنّ بعض الجهات في المعارضَات العربيّة تركب موجاتٍ عاليةً في تجييش الناس والزجّ بهم في محارق الموت بلا حساب، وكأنّ المقصد الرئيسَ هو أنْ تُحْصِيَ مع مطلع كلّ شمس عدد القتلى والجرحى والمُهجَّرين وأنْ تتنافسَ أخبارُ العالَم على ترويجها وفي مقدّمتها مؤسّساتٌ نقتربُ من درجة اليقين حين نقول إنّها متورّطة تورّطا مباشرا في أفراح الدم التي تُقيمُ لها وَلائمَ الندوات والحوارات.
وليس تبنّيًا أخْرَقَ لـ'نظريّة المؤامرة' الذهابُ إلى أنّ شيئا ما يُصَبُّ عَمْدا مِنْ وراء حجاب وأحيانا عِيانًا على النار الموقَدة فتزداد به استعارا. وليس إلاّ مَنْ يضع إصبعه في عينه فَلا يُبْصِرُ إلاّ ما فوق السطح. فالمنطقة العربيّة وخاصّةً منها تلك التي تأسّستْ دولُها الوطنيّة/القطريّة بعد الاستقلال على أنظمة 'مدنيّة' غير تيوقراطيّة وغير ملكيّة وإنْ في الظاهر على الأقلّ، هي وحدَها موضوعيّا مَن يستطيع أنْ ينتفض وأنْ يَهْتِك شرعيّة حكّامه باعتبارها شرعيّةً زمنيّة مآلُها في نهاية المطاف أن تَبْلَى. والربيع في تونس وفي مصر إنّما كان، لأنّ الشروط الموضوعيّة تاريخيّا وسياسيّا وثقافيّا قد نضجت بمقدارٍ أوّلا، ولأنّ الشرعيّة الزمنيّة للأنظمة فيها تضرّرت بالاستبداد والقهر تضرّرا كبيرا ثانيا. إنّها أنظمةٌ ما عاد أمامها إلاّ الانسحاب إمّا بممارسة ديمقراطيّة حقيقيّة أو بثورة جارفة لا تُبْقِي ولا تذر. وأمّا ما سواها مِمّن ظلّ خارج سياق 'الدولة' بمعناها المؤسّسي الحديث، فهو غيرُ مُهَيَّأٍ أصلا لاحتمال أنِ يتضوّعَ في أنْحائه ريحُ الثورة فوق أنْ تشبَّ فيه نيرانها. ولكنْ.. أهيَ سُخريةُ الأقدار أنْ نجد في مضمار السباق إلى مساندة نداء الديمقراطيّة والحرّيّة 'شيوخُ القبائل العربيّة' بأموالهم وأسلحتهم وتقرّبهم زلفى من دول الهيمنة، أمْ إنّ أقدارًا غيرَ قدريّة في مكان ما من الأرض ثَمّةَ مَن يصنعُ مَساراتها ويحرّكُ بالخيوط الدُّمَى فيها تحريكا؟
ورأينا نشاطا لجامعة الدول العربيّة لم نره في أحلك مراحل التاريخ العربيّ المعاصر تحت عنوان 'حماية المدنيّين'. وممّا ينبغي الانتباه إليه في هذا النشاط هو أنّ جهةً بعينها يمثّلها دول مجلس التعاون الخليجي كانت تقود الجامعة وتستبق أحيانا انعقاد اجتماعاتها بقرارات للتصديق عليها لاحقا. ينبغي الانتباه إلى هذا لسبب واحد على الأقلّ وهو أنّ البلدان التي يتشكّل منها هذا المجلس أغلبُها مَحْمِيٌّ ببنية سياسيّة مغلقة وفلسفة في الحكم ليست فقط مَلَكيّة أو عشائريّة تمتنع على التبدّل وإنّما لأنّ مفهوم الدولة نفسه فيها غيره في الفلسفات السياسيّة المدنيّة الحديثة، والولاء فيها للحاكم وليس للدولة، وصلتها العقائديّة والتشريعيّة بالاحتجاجات والثورات معدومة. وأنْ يَهُبَّ منهم فريق ليتزعّم المَدَدَ العربيّ للشعوب الثائرة بسلطان إعلامه الجبّار وبفتاوى علمائه 'الجهاديّة' الداعمة للديمقراطيّة والحريّة فأَمْرٌ يصعب المرور عليه بحَسَنِ النيّات.
وحين تدخل دول الهيمنة على خطّ الثوارات العربيّة الساخن بتشغيل امتيازها في مجلس الأمن لتُصْدِر قرارات العقاب وتؤلّفَ الأحلاف وتدكّ مدنا بكاملها في ليبيا على سبيل المثال، فأمر ينبغي التوقّف عنده أيضا. فما بالنا لم نَرَ هذه الدولَ أَشْفَقَتْ يوما على غزّة وهي تتناثر أشلاء بأقسى ما يملكه العدوّ الصهيونيّ من آلة تقتيل وتدمير؟ وما بالنا لَمْ نَرَهَا تَرِقُّ يوما لحال البؤساء المشرّدين تحت الخيام البالية ممّن بَقيَ من أهل غزّة فتسْمحَ للقوافل الإنسانيّة بالوصول إليهم تطبيبا ومواساة؟ وهذا الجوع القاتل في الصومال وفي غيره والذي تشوّهتْ به أجيال كاملة منذ عقود.. أفلا يستحقّ هؤلاء الجوعى والمشرّدون والبائسون الذين تنظر إليهم فلا ترى فيهم إلاّ حُطاما آدميّا نَسْمَةَ حياة؟ أَمِ الربيعُ لا يُزْهِرُ إلاّ عندنا؟ ومَتَى أنْبَتَتِ القنابلُ للربيع أزهارًا؟.. وهذا العراق يشهد.. وقادَتُه 'الميامين' لا نظنّهم إلاّ يشهدون أيضا.
وكانت المرحلة الثانية هي أنْ يبوحَ هذا الربيع في هذيْن البلديْن: تونس ومصر بأسراره. والأسرار، كما يراها الناس العاديّون، هي ما يَخرُج من الصناديق. وها قدْ خرَجَتْ شفّافةً لا شُبهة عليها في تونس، وألقَى كلُّ مُمْسِكٍ حَجَرًا حَجَرَهُ. لقد نال الإسلاميّون ممثّلين في حزب حركة النهضة النصيبَ الأوفَى. ورشّحتْهم الثورة لرسم مسالك الطور القادم. وفَرِح لهذا الحدث التاريخيّ الكبير الخيّرون في الداخل والخارج الذين يحبّون أنْ يرَوْا أوطانهَم تصنعها إراداتُهم وأمانيُّهُمْ، كما فرحَ بها الذين آمنوا حقّا بالديمقراطيّة بعيدا عن حسابات الربح والخسارة الحزبيّة الضيّقة. ونخال أنّ الصناديق في مصر لنْ تخذل صناديقَ تونس. فالمؤشّرات جميعُها تُنْبِئُ بفوز محقّق للتيّارات الإسلاميّة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين. هذا إذن ما يلمسه العاديّون من الناس.
وأمّا دول الهيمنة، فلا شكّ في أنّها استشرفت الأمر وقدّرتْه تقديرا ترى فيه مصالَحها أين تكون وكيف تُصَان. ويبدو لنا أنّها رأتْ أنّ المعبَر إلى ذلك هو ليبيا. هذه الجغرافيا الفسيحة والثروات الهائلة والشعب الذي هفتْ نفوسٌ فيه إلى أنْ تجرّب المظاهرات وترفع صوتها ضدّ 'قائدها' و'معلّمها' و'صقرها'. وفي ليبيا ثقافة شعبيّة تقليديّة ودينيّة عريضة لم تخترقها في العمق موجاتٌ حداثيّة وإنْ زيفا. وحتّى أولئك الذين تشرّدوا في منافي أوروبّا وأمريكا فالغالب عليهم الانتماءُ إلى حركة الإخوان المسلمين. وربّما تشكّلتْ منهم جماعات قليلة أو كثيرة تشكّلا 'طالبانيّا' متشدّدا في عدائه للقذافي وللغرب على حدّ سواء. وأمّا ذوو الثقافة الحديثة المتأثّرة بمعايير العصر فأفْرادٌ. ولعلّها إذن إنْ نجحتْ بجهد محلّيّ خالص في الإطاحة بـ'القائد' و'جماهيريّته' أنْ تبنيَ مع جارَيْها من شرقٍ ومِنْ غَرْبٍ مُتّحَدًا لا جغرافيّا فقط وإنّما عقائديّا وسياسيّا أيضا. وهذا، إنْ تمّ، لن يكون إلاّ ميلادا لمجال جغرا- سياسيّ فيه من عناصر القوّة والوحدة ما لم تستطع قيادات الشمال الإفريقيّ المتنافرة والمتباغضة والمسكونة بداء العظمة السلطانيّة الفرديّة والعاملة تحت إمْرة دول الهيمنة عن رضًى أو عن إكراه أنْ تحوّله إلى مغرب عربيّ حتّى وإنْ كان صغيرا. ولا شكّ في أنّ جنوب المتوسّط سيضحي حينئذ بعد أنْ كان قلعة منيعة لدول الهيمنة وجسرا لسلامٍ وإنْ كان باردا مع العدوّ الإسرائيليّ ومِتْراسًا في مواجهة 'التطرّف الدينيّ'، سيضحي أرضا متحرّكة ومصدرَ قلق وإزعاج. والسبب في ذلك مقبول ومعقول وهو أنّ الشعوب العربيّة جميعَها إنِ اختارتْ بحرّيّة صديقا، فلنْ يكون في كلّ الأحوال الولاياتِ المتّحدةَ الأمريكيّةَ وإسرائيلَ. فهذان هُمَا، في وجدان الشعوب، على وجه التحديد مَنْ سرقا منهم الأرض والتاريخ والعرض ومَنْ شجّعَ حكّاما ظَلَمةً على قهرهم. ولقَطْع الطريق أمام إمكانيّة تشكّل هذا المجال الجغرا- سياسيّ كان القتل حماسيّا في ليبيا. لقد أسرع 'الناتو' إلى تزعّم حركة 'التحرير'. وصبّ حِمَمَه على كلّ ما يرمز إلى السلطة القائمة. وطارد 'الكتائب' وأفنى منهم خَلْقًا لا يعلمه إلاّ الله. وارتفعتْ أعلامه في الساحات 'المحرَّرة'. ورأينا أناسًا يتمسّحون بها ويقبّلونها تقبيلا. بل قد نَقلتَ لنا الفضائيّات جداريّاتٍ ضخمةً من أعلام فرنسا وأمريكا تُزَيّنُ خلفيّةَ فضاءاتٍ تملؤها صفوفُ المصلّين. ولم تُخْطِئِ العينُ مشهدَ زواج عجيب بين صيحات 'الله أكبر' المنبعثة من حناجر 'الثوّار' في الأرض وانفلاقات قنابل 'الناتو' المنهمرة عليها من السماء. أَفَكُلُّ هذا مِنْ عِشْقِ الناتو وولهِه بالعرب المساكين؟
نعتقد أنّ التأمّل مليّا في ملامح مستقبل العلاقات بين الفضاء الأوروبيّ/الأمريكيّ والفضاء العربيّ يمكن أن يرشدنا إلى شيء من 'سحريّة' المشهد الراهن. فهذا الغرب الأوروبّيّ الأمريكيّ الذي ناصر الحكّام الظلمة وسلّطهم على شعوبهم واستنزف بهم مكامن القوّة وحبّ الحياة ليس مطروحا في عقيدته البراغماتيّة أنْ يترك شعوب المنطقة تفرح بثوْراتِها وتذهبَ بها إلى حيث الحرّيّة والعدالة والديمقراطيّة. مشروعُه أنْ يستبدلَ حبّا بحبّ: كان يٌقَبِّلُ حكّامَنا ويُظهِر لهم الودّ. وثَمَن القُبلة معلوم. ولا نحْسَبُ حُكّامَنا وهم إذْ يُقَبَّلُون إلاّ مُنْتَشين سعداءَ وإنْ باعوا الأوطان.
وها نحن في زمن الثورات نرى جموعا من عُرُوبَتِنا هم مَن يبادرون إلى التقبيل، ونرى الفرنسيّ أو الأمريكيّ سعيدا إذْ يُقَبَّلُ وإذْ ترتفع راياتُه خفّاقةً في ساحات 'الجهاد'. ولعلّ سعادتَه تفوق ما كان يناله من الحاكم العربيّ. ها نحن نراهم يمدّون له في البُسُطِ الحُمْرِ وهو ينزل من عتبات الطائرة نزول الفاتحين. إنّ هؤلاء الذين يهتفون باسمه اليوم في الساحات العامّة في ليبيا وسوريا ليسوا حكّامًا بالتأكيد. إنّهم جزء من الشعب. وحين ينجح الأمريكيّ في ذلك. فذلك خطير. إنّ الشعوب التي كانت تَكْرَه في حُكّامها قابليّتهم للهوان والاستسلام والهيمنة، يمارسون وهُم 'ثوّار' السلوكَ نفسه.
إنّ إستراتيجيّا دول الهيمنة في زمن الثورات العربيّة هي أنْ تكون هذه الدول لا فقط مقبولةً في الوجدان العربيّ الجَمْعيّ، وإنّما أيضا محبوبة أو معشوقة. والعشق، إنْ حَصَل، أعْمى القلوبَ وأذْهبَ العقول.
فَكَم يكون مُرّا لو فَقَدتِ الثوراتُ العربيّة قلبها وعقلها. وكم يكون مُرّا لو استبدل 'الثوّار' مستبِدّا 'وطنيّا' بمستبدّ ذي مهارات كونيّة عالية في الاستبداد. وكَمْ يكون قاتلا لو أزْهَرَ الربيع سُمًّا.

' أستاذ محاضر بالجامعة التونسيّة
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات