عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

في 'وطن من الكلمات'

أرسل إلى صديق طباعة PDF
سواء كان موضوع السير الذاتية، عموما، الاعترافات على طريقة جان جاك روسو، او تصفية الحسابات السياسية والتاريخية، او ردّ الاعتبار لذات مقهورة ومهضومة الحق، او مديح النفس وانشاء نصب تذكاري لها، فان هذه السير في النهاية هي كتب مؤلّفة يجري عليها مجرى العمل الابداعي ولو كان موضوعها 'الحقائق' الشخصية.
يعيد كاتب السيرة الذاتية تأليف حياته بطريقة استرجاعية تخضع لآليات خطاب معين، وكل خطاب، لا يقوم في النهاية، الا على الانتقاء والحذف. الصدقيّة، بهذا المعنى، مستحيلة، كما ان كل سيرة تخضع لمقاييس القرّاء فتتقاطع وتتنافر بحسب منظوراتهم الى الشخص وما يريدون قراءته منه، وبالتالي، فهم ايضا يقومون بعملية انتقاء وحذف جديدة بحيث يبقى من الكاتب آراءه السياسية، او اعترافاته الشخصية، او الأسرار التي كشفها الخ. ..
غير ان ما يجعل كتاب سيرة ذاتية قادرا على البقاء هو ابداع الكاتب في قراءته لحياته الشخصية وفي انتقاءاته منها ليجعله كتابا ممتعا و'أدبيا' اكثر منه مجرّد تكئة لسرد وقائع وتصفية حسابات، واذا اضفنا الى هذه الأدبية والامتاع وقائع تاريخية وسياسية وشخصية تضيف جديدا على ما سبق، فان هذا يوفّر للكتاب حياة أبقى، وهذه أشياء تنطبق كثيرا على 'وطن من الكلمات' لعبدالباري عطوان.
بأسلوب السيرة الذاتية الغربية يكتب عطوان كتابه (المكتوب نسخته الأصلية بالانكليزية)، حيث يتركّب التاريخ الشخصي بطريقة تتجاور الأخطاء فيها مع الانجازات، وتتظهر العيوب امام المناقب، بحيث يتبدى الكاتب شخصاً طبيعياً يجوع ويعرى ويصيب ويخطئ.
البطولة هنا، عموما، للقصة نفسها وليس للبطل فحسب، بحيث تسبح سرديّة البطل الشخصية في رحم سرديّة التاريخ الكبرى بشكل يجري الدم في عروق القضايا النظرية الشائكة من خلال سرد الكتاب لتطور أحوال عطوان الطفل، فالمراهق والشاب فالرجل.
تتشكل شخصية بطل السيرة من الجدل المستمر بين الواقع، الذي يحاول ان يفرض شروطه عليها، وبين ارادة الشخص التي تحاول مجابهة هذه الظروف وحرفها وتجييرها لصالحها.
فاذا جاز تشبيه الكتاب بسجّادة فسنراها مليئة بالتفاصيل سداها ظروف الجماعة والواقع، ولحمتها الارادة الفردية.
لا يغض عطوان الطرف عن ظروف حياته البائسة وعريه وجوعه وأعماله الاضطرارية للعيش سائقا لسيارة زبالة ومعمل لحفظ البندورة وآخر للراحة وغيرها ولا يتورع عن السخرية من نفسه، وفي المقابل فان نقده لمعارضيه لا يكون لتحطيمهم او تشويه سمعتهم، فهو يمضي عليهم مضيّا هادئا يحافظ فيه على مسافة معقولة منهم، بل يعتبرهم احيانا كثيرة اصدقاء له. وكما لا يقسو على غيره بالنقد فهو لا يقسو كثيرا على نفسه ولذلك لا نرى لديه مراجعات لمواقف سياسية معينة او اعتذار عنها، وفي كثير من الملفات يترك ابوابا مفتوحة للتأويل لمن يستطيع القراءة بين السطور.
يجري هذا الأمر على شخصيات يصعب التعاطي معها عادة الا بالأسود والابيض، مثل صدام حسين واسامة بن لادن والقذافي وعلي صالح وحافظ الأسد، لكن شخصية عطوان المرنة، او لعلّها غريزة بقاء الفلسطيني المضطرّ للمرور في مناطق عصيّة وصعبة اين منها كهوف تورا بورا وأنفاق غزة، تتعاطى مع هؤلاء بألوان عديدة ولا تكتفي بالمناطق المعتمة منها.
يشبه عطوان في كثير من ذلك الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ورغم الخلافات السياسية بينهما من حين لآخر والتي يروي الكتاب تفاصيلها، تبقى العلاقة بينهما حميمة، وبالأحرى، فان فهم الواحد للآخر، على خلفية 'دفتر الشروط الانسانية' الفلسطيني، يجعلهما يتلاقيان ويتفاهمان رغم، او بسبب، تلك الخلافات!
تحسب للكاتب جرأة محسوبة في كشف تفاصيل شخصية اعتاد كتاب السيرة العرب القفز العالي عنها، وواضح انه اضطر لاخفاء تفاصيل كثيرة اخرى لا يستطيع في ظروفه الحالية على ما يبدو ان يتحمّل عقبات نشرها، ولا بد ان نفس الكاتب، المعتاد على أمواج العداء السياسية، قد راودته في كشف أكثر مما كشف ولكنه ينتظر ظروفاً افضل للتصريح بدل التلميح ولفضح الوقائع لا لوأد الأفكار والحكايات.

شهيد الحب

لشدة غرابتها تكتسي بعض مشاهد المخيم الطفولية طابعا سوريالياً يضفي طرافة مؤلمة نابعة من قلب مناظر الشقاء والبؤس والقمع: من توزيع وكالة الغوث ثيابا بالية نسائية لعائلة كلها ذكور او العكس، فترى شابا مراهقا يمشي ببنطال نسائي، الى هجوم سمكة قرش على عطوان الصغير وهو يجرّب حظه مع الصيادين، مرورا بشخصيات فريدة مثل مبروكة ومشهد القبض على شرطي عار في بيتها ومرورهما على هذه الشاكلة عبر شوارع المخيم، الى الضابط اليهودي الذي ينقذ عائلة فلسطينية من الذبح فتكتشف انه ابنها الذي فقدته عند النزوح، وانتهاء بالشيخ محمد الأصم الأبكم ذي 'العدة الضخمة' التي يحب التباهي بها، والذي يتوفى على يد الجنود الاسرائيليين شهيدا للحب!
وعلى كثرة الحوادث القاسية والمؤثرة في مسيرة عطوان الحياتية والمهنية خلال طفولته، من اعتقال والده وتعذيبه على يد الشرطة المصرية بتهمة حيازة سلاح ناري، مرورا باحتلال الاسرائيليين رفح وممارستهم التقتيل بحق الشباب والرجال، وصولا الى وفاة والده المبكرة واحساس عبد الباري بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه، فان اكثر تلك الحوادث رمزية وادلالا، على بساطتها وبراءتها، هي توجيهه رسالة الى جمال عبد الناصر، وتلقيه ردا من الرئيس المصري.
هذه الرسالة التي جعلت عبد الباري الطفل شهيرا فجأة بين اقرانه أسهمت، بشكل واع او غير واع، في صياغة حياة عطوان وفتحت له طريق حياته الذي صار هو نفسه رسالة تتنقل من بلد لآخر.
تحمل هذه الرسالة الدلالات الرمزية التي سنراها مرتسمة لاحقا على خطى عطوان والتي ستصبح اشبه ببصمات له: الكلمات تستطيع اختراق الحواجز الجغرافية (من مخيم صغير في فلسطين وصولا الى القاهرة بمصر) وتتجاوز الفوارق السياسية والاجتماعية (طفل فقير في مخيم منكوب ببلد محتل يستطيع التخاطب مع رئيس دولة كبيرة)، مثلما تتجاوز الرسالة الحدود التي رسمها الواقع البائس نحو عالم آخر فردوسي: من معلمي المدرسة القساة، الى الاطفال الشركاء في البؤس، وحدود المخيم الضيقة وصولا الى اماكن لا يمكن للطفل نفسه حتى ان يتخيلها.
بدافع من تلك الرسالة الرسمية البسيطة (التي أفترض ان مكتب الرئيس عبدالناصر كان يرسل امثالها بالآلاف) سيصل عبد الباري عطوان لاحقا الى لقاء رؤساء وملوك حقيقيين. سيسافر عطوان مثل رسالته الطفولية تلك قاطعا حدود المخيم التي تحدد مصائر الناس نزولا او صعودا (وعلى الأغلب نزولا)، حاملا معها كلماته الى العالم الواسع، لينتهي به الأمر محاورا لسياسيين ومثقفين كبارا، ولتعرض عليه العروض المغرية، وتشنّ عليه الحملات الشرسة، لتغيير سياق جريدته او لحرفه عن طريق حددته له تلك الرسالة العجيبة التي قذفها كما رسالة في زجاجة ضائعة في المحيط، بأمل او دون امل، الى ذلك القائد الأسطوري القابع في مكان ما بعيد، عبد الناصر، فعادت اليه بثمار معجزة الكلمة.
بسبب هذه التناظر بين براءة الطفولة وتعاضد الكثير الكثير ضدها (الوحشية الاسرائيلية ضد المخيم والفلسطينيين ككل، وقسوة الفقر والمعلمين والأب) يكتسي الفصل الأول من الكتاب، والمعنون 'مشينا على الأشواك'، نفساً درامياً بؤرته صراع الجماعة ضد قوى مخيفة كبيرة، يتخللها الخيط اللامع لحكاية ذلك الطفل النحيل الذي يتحدى القسوة والشظف والبؤس المذهل غاذّاً خطاه نحو قدر غامض يرشده الى مصيره بقوة الكلمة ويلوّن حكايته الشيّقة المليئة بالغضب والألم والحزن والفرح.
مخيم دير البلح الذي يصوره عبد الباري في الفصل الأول من كتابه، والذي ترعرع فيه، يبدو، بمقياس حاضرنا المتزمت هذا، مليئا بالغرائب التي قد يكون مشي الناس حفاة أقلها استغرابا (بسبب الفقر)، فسنكتشف ايضا ان الصيادين هناك كانوا عراة ايضا لا حفاة فحسب، وان عريهم، آنذاك، ما كان عيبا او مستهجناً اجتماعيا.

مراهقة في عمّان

في السابعة عشرة من عمره غادر عبد الباري عطوان مخيم رفح في قطاع غزة مبتدئا تغريبة فريدة، اقام خلالها في عمّان (الاردن)، القاهرة والاسكندرية (مصر)، طرابلس الغرب وغريان (ليبيا)، جدة (السعودية)، وخاتما المطاف (حتى الآن) بلندن (بريطانيا).
نقرأ الاقامة الأردنية لعطوان في فصله المعنون 'النوم على السطوح'، حيث نشهد بدء رحلته الشاقة في الحياة بعيدا عن عائلته و'وطنه' المكوّن من مخيم بائس مزدحم بسكانه ومغلق عليهم بحيث لا أمل للنجاة الا... بالابتعاد عنه. هذه المفارقة الممضّة تجعل من الوطن بشروطه الرازحة تحت الاحتلال مكاناً لافظاً لأبنائه بحيث لا يمكنهم الحفاظ عليه الا بالهروب منه.
يكوّن المجتمع الصغير لعائلة عطوان شبكة للعون والاغاثة، فيساهم العمّ بمبلغ 'ضخم' بمقاييس غزة قدره 30 جنيها مصريا، ليكتشف عطوان ان هذا المبلغ تافه بمقاييس الحياة في عمّان ('آسف سعيد، لكن المال الذي معك ما لوش قيمة' - يقول له قريبه في عمّان). تتلقفه الشبكة العائلية من جديد من خلال ابن عمه صالح الذي يحمله الى فندق رث ('الاكثر رخصا في المدينة كلها') ليناما على سطحه مع العشرات من امثالهما.
يستفيد عطوان من هذا الفصل ليروي من خلاله قصة العلاقة المضطربة بين النظام الاردني والمنظمات الفلسطينية التي كانت في أوج قوتها آنذاك، ويثير اعجابنا بقدرته على النجاة بخطته للارتقاء التعليمي بدلا من الوقوع تحت اغواء الانتساب الى احدى تلك المنظمات.
يستمرّ السهم الذي أطلقته رسالة عبد الناصر بالطيران في هذا الفصل من خلال اصرار عطوان على دراسة الصحافة في الوقت الذي يأمل اهله منه دراسة الطب او الهندسة، الأمر الذي سيتابعه عطوان، بتشجيع من اخيه الكبير المقيم في السعودية، منتهيا به الى دراسة الصحافة في مصر (المصدر الذي انطلقت منه الرسالة، في دلالة رمزية لا تخفى).
يتعرّف عطوان في هذا الفصل على عالم العمل الشاقّ في مصنع لتعبئة البندورة، وفي سياقة شاحنة الزبالة التابعة للبلدية ثم في معمل لراحة الحلقوم، كما يتعرّض لهبات المراهقة الجنسية الأولى من خلال التلصص على نساء من اعلى الفندق، ومن خلال فتيات لعوبات يقمن في شقة قريبة، وصولا الى اهتمام بنات عائلتين طامحات للزواج، ومرورا بخطيبة زميل له مليئة بالاغراء.
اقامة عطوان في عمّان كانت اطلالة الفتى، الذي يتأهب ليصير شاباً، على عالم واقعي مختلف تماماً عن مخيم اللجوء الذي قضى فيه سنوات طفولة شقية بائسة لكنها محمّلة بعلامات فارقة ستوجه عمليا بوصلة حياته باتجاه الصحافي الذي سيكونه.

'ممثل' المقاومة الفلسطينية!

ويمتلئ الفصل الثالث 'تعليم قاهري'، الذي يروي فيه عطوان ايامه في القاهرة والاسكندرية، بشخصية مصر المرحة وروحها الغنية، حيث يحسّ الكاتب بالبهجة والحبّ لتلك البلاد، وهو أمر لن يفارقه، على ما اعتقد، ابدا، وهنا ايضا، يبدأ القدر بوضع اللمسات اللاحقة على شخصية عطوان الصحافية ممتزجة هذه المرة بهويته الفلسطينية.
في صدق وعفوية جارحة يروي عطوان كيف اختارته مدرسته الثانوية 'العروة الوثقى' ليلقي خطبة في عيد النصر بساحة التحرير في الاسكندرية باسم المقاومة الفلسطينية... هكذا دفعة واحدة! فهذه الدعوة الاعتباطية جاءت، كما يقول، نتيجة كسل عطوان ورغبته في النوم حيث ادعى انه 'ممثل المقاومة الفلسطينية' في المدرسة كي يتساوى مع المعلمين في وقت الحضور!
يقدّم هذا الفصل اهتمامان آخران لعطوان، سيبقيان دائما في الزاوية الخلفية لديه، الأول هو شغفه بالفنّ، الذي تجلّى بمحاولة فاشلة لتعلم العزف على العود، وبحضور ما امكنه من حفلات غنائية لأساطين الطرب، والثاني هو حبه للرياضة، والذي سيتجلى في لعبه كرة القدم ثم في عمله لفترة صحافيا رياضيا، وفي توريثه هذا الشغف لابنه البكر.
ينجح عطوان، خلال اقامته المصرية، بانجاز ما خطط له، لكن ليس دون التعرّض لعواقب العمل السياسي التي نجا من تأثيراتها خلال فتوته واقامته الأردنية، مما يؤدي لالغاء اقامته في مصر وهو على ابواب التخرج من الجامعة.
يحضر هنا، مجددا، سيف ديموقليس المسلط على الفلسطينيين ومصيرهم الذي يحمّلهم اكثر مما يستطيعون طارحا على عطوان السؤال الممضّ: باب الوطن مغلق فأين اذهب؟ وتحضر الصدفة مجددا فيسافر، بصفة سائق مع رجل اعمال ليبي الى ليبيا، وبعد فترة احباط يبدأ عطوان، بما يشبه ضربة حظ في فيلم درامي، وبمقال واحد سيرته المهنية الحقيقية.
فبعد ان يضع رئيس تحرير احدى الصحف الليبية مقالا عن شاه ايران على الرفّ يزوره مسؤول ليبي كبير ويكتشف المقالة ويطلع القذافي عليها فتنشر على الصفحة الأولى ويكتب في رأسها: الكاتب الكبير عبد الباري عطوان!
لا يستقر المقام كثيرا بعطوان في ليبيا التي ما كانت اجواؤها تشجع على الصحافة الحقيقية، فينتقل الى السعودية عام 1975 لتبدأ صفحة جديدة من سيرته الصحافية مع صحيفة 'المدينة' التي ستكون منصة عطوان لتأسيس اسلوب خاص به، واول محاولاته كانت في مقابلة مع ياسر عرفات حيث يتعرف فيها على الزعيم الفلسطيني وسيرتبط معه بصداقة متميزة حتى وفاته.
في هذا الفصل (تنقّلات مهنية) الذي يبدأه بسرد مطوّل عن عشقه لكرة القدم وعلاقته بها لاعبا ومتابعا وصحافيا، مرورا بشرح لمشاهداته وتوصيفه لليبيا لنصل الى اقامته السعودية التي ستكون جسره نحو الهجرة لاحقا الى بريطانيا يكشف عطوان اسرار السفارات الغربية في جدة وحفلاتها الغاصة بالمدعوين لعبّ الكحول، لكنه يكشف ان احدى السفارات كانت ايضا تقيم حفلات للشاذين جنسيا، مما يؤدي لغضب الشرطة الدينية في السعودية.
وينتقل عطوان بنا بعد ذلك الى لندن التي التحق بالعمل فيها بصحيفة 'الشرق الأوسط' حيث يشرح لنا شعوره بالغربة بسبب آرائه السياسية، كما بسبب هويته الفلسطينية، ويأتي الانقاذ من صحيفته السابقة 'المدينة' التي قررت فتح مكتب لها في لندن وقررت تعيينه مديرا للمكتب.
هذا المنصب الجديد سيسمح لعطوان بالسفر كثيرا بحيث يشاهد 'التاريخ وهو يصنع' على حد تعبيره، ومن ذلك مشهد معبّر في قمة للجامعة العربية بتونس عام 1979 يهجم خلاله حراس صدام حسين على ابن الحبيب بورقيبة، وحين يتبيّن الأمر ينظر صدام شزرا الى الشاب بدل الاعتذار منه، ويستنتج عطوان ان صدام كان 'قادرا على توليد الخوف بين الزعماء الآخرين'.
كما يتحدث عن مقابلة له مع مارغريت ثاتشر وكيف نقل لها ان الملك فهد كتب عنها قصيدة وانه يعتبرها امرأة 'كاملة الأوصاف' مما اثار ضحكها الذي ظهر في صورة منعت نشرها.
تنتهي تجربة 'المدينة' مع تغيير رئيس التحرير واستقالة عطوان عائدا الى صحيفة الشرق الاوسط مجددا، ثم يستقيل منها اثر خلافات سياسية ليبدأ بعد فترة نقلته النوعية مع رئاسته لتحرير 'القدس العربي' المؤسسة حديثا ساردا كثيرا من تفاصيل معاناتها المالية والدعاوى القضائية ضدها من سياسيين واثرياء... وراقصات، والهجمات الاعلامية عليها وعليه شخصيا.
قصص عطوان الطريفة عن لقاءاته مع بعض القادة العرب مثل زيارته للرئيس اليمني علي عبد الله صالح مناسبات للاطلالة على التفاصيل الداخلية الكاشفة لتناقضات انظمة الاستبداد العربية من خلال حكاياه الشخصية معهم، ومن ذلك دعوة صالح لعطوان لحضور اوبرا يقوم هو نفسه باخراجها للاحتفال بالعيد العاشر للوحدة اليمنية. يقول عطوان: 'كان مشهدا سورياليا ان ترى رئيسا، في زي عسكري، واقفا في باحة مبنى عتيق، محركا عصاه، ليوجه مجموعة من الرجال بالزي اليمني التقليدي فيما يغنّون ويرقصون'.
وفي زيارة له لليبيا بدعوة من القذافي يكتشف عطوان (ضيف القائد) ان المطار كان فارغا ولا أحد بانتظاره وحين يتوجه وحده الى فندق يكتشف انه محجوز بأكمله لضيوف من 'الهنود الحمر' الذين حصلوا على جائزة سنوية للقذافي، ويضطر بعد ذلك للبحث عن طائرة تعيده الى لندن بعد ان اكتشف انه لن يستطيع مقابلة القذافي قبل ان 'يشاهد كيف تعمل الديمقراطية الليبية' و'سلطة الجماهير الحقيقية' وهو أمر يستغرق 3 اسابيع!
يتحدث عطوان في كتابه عن كيف اختارت 'القدس العربي' موقعها خلال التراجيديا العراقية وكيف رفع ذلك من شعبيتها من ناحية وعرّضها لمتاعب مالية كبيرة وتزايدا في اعدائها، كما يشير الى لقائه الشهير باسامة بن لادن وكيف حوّله الى نجم في الاعلام العالمي، كما يتحدث عن اللوبي اليهودي والضغوط التي مارسها ضده، وعلاقته الخاصة بقناة الجزيرة، وهي معلومات مفيدة للمهتمين بقضايا الاعلام والسياسة والقرّاء عموما، غير ان أجمل ما في كتابه هي تلك اللمحات الشخصية الفريدة، من تفاصيل طفولته في المخيم، مرورا بأيّام عمّان التي شهدت تفتحه كشاب، وبتفاصيل هواية كرة القدم ولقاءاته باعلاميين وفنانين وسياسيين وسجناء ومليارديرية ومتطرفين وسفراء، والصدمة الثقافية التي تعرّض لها في لندن وكيف أدّت الى تغييرات في شكله وملبسه وطريقة رؤيته للأمور الشخصية والسياسية.
يستفيض عطوان في الحديث عن ثلاث شخصيات فلسطينية كبيرة: ادوارد سعيد، محمود درويش وياسر عرفات، ويقدّم بحكاياته المشوّقة عن هؤلاء منظورا جديدا لقراءة شخصياتهم الفريدة معتمداً كعادته على النفس التفصيلي الشخصي الحميم الذي يكشف نقاطاً يصعب التقاطها، ويصدر من خلالها احكام قيمة مهمة بحق هؤلاء، فادوارد سعيد 'كان يحتكم دائما الى ضميره' وانه 'لم ينس مطلقاً جذوره الفلسطينية'، ومحمود درويش ساهم في ابقاء 'القدس العربي' على قيد الحياة، وعرفات 'كبيرهم الذي علمهم السحر'.
من خلال حكاياته الفرعية يسرد الكتاب الكثير من الاسرار من الفنانة التي اغرمت بمحمود درويش، الى علاقة الصداقة بسفيرين سعوديين لم يخفيا اتفاقهما مع عطوان على كثير مما ينتقد به السعودية، الى عرض رفيق الحريري غير المباشر بدعم 'القدس العربي'، الى لقاءاته بسفير اسامة بن لادن في لندن ودعوته لاحقا لمقابلته مرة اخرى بعد ان تذمّر من نوع الأكل الذي أكله في المرة الأولى، الى اشتباكاته مع عرفات والورقة السرية التي أعطاه اياها في مطار هيثرو والتي ابلغه فيها عمليا ببدء الانتفاضة.
في 'حق العودة' يروي عطوان تفاصيل زيارة له وعائلته الى غزة والضفة الغربية، واضافة الى التفاصيل الشخصية الكثيرة التي تبيّن الفجوة التي كبرت بين لحظة الخروج من غزة طفلا والعودة اليها رجلا مع طفلين، يقدم الكاتب جردة سياسية لتبعات اتفاقية اوسلو ونتائجها والتغيرات التي أدت اليها سياسيا، ويختم هذا الفصل بالحديث عن وفاة والدته ظريفة عطوان، التي عاشت بعد وفاة ابيه ثمانية وثلاثين سنة، حيث حرم بسبب حكم اسرائيلي ضده من العودة لتوديعها.

الأطلال

من بؤس المخيمات المعمّم الذي كان الجميع مشتركين فيه سندرك جذور بحث عطوان عن العدالة، ومن القضية الكبرى التي تستلزم تضحيات جماعية سننتبه الى ذلك التطلّب البراغماتي الذي يبرّر للهدف 'السماوي' الكبير اخطاءه الأرضية (وهو أمر نلحظه في مواقفه المعروفة من التراجيديا الكويتية - العراقية وصدام حسين وبن لادن والقذافي والأسد)؛ ومن تنقّلات عائلته النازحة (من اشدود هربا من الاسرائيليين، الى مخيم دير البلح حيث قضى هزيعا من طفولته، فمخيم رفح الذي جلت العائلة اليه لتكون تحت حماية الأعمام بعد وفاة الوالد)، ستفرض لعنة النزوح تنقّلا مستمراً من بلد لآخر، يحوطها ذلك القلق الدافع لصناعة وطن يحفظ كرامته وحقوقه ويعطيه هويته المفقودة، ليكتشف ان وطنه هو الكلمات.
أخيراً، يجب ان أقول، أنني سعدت شخصياً بترجمتي للكتاب، فأجمل ما فيه، هو انه مكتوب بأسلوب صحافي سلس متمكّن ومحترف يعرف كيف يوظف ما يريد قوله، مبتعدا به عن التقعير والتنظير، مقدّما الفكرة دائما بقالب حكائي ميسّر، مقتصد ولكن فيه ما يكفي من التفاصيل، بحيث تلمح في تلك البساطة الخادعة امكانيات الروائي الموهوب المختبئ خلف إهاب الصحافي المشغول بالتعليق على الأحداث.
امتاع القارئ، مهمّة صعبة جداً قد يتجاهلها او يفشل في انجازها كتاب كبار، وتقديم الجديد المفيد تاريخيا وسياسيا وفكريا، مهمة أصعب. في 'وطن من الكلمات' وفّق عبد الباري عطوان في المهمتين.
يبدأ الكتاب بفصل 'مشينا على الأشواك'، الذي يعرض طفولة الكاتب البائسة في فلسطين، وينتهي بفصل 'حق العودة' الذي يعود فيه الى فلسطين بعد رحلة عمر بين بلدان عديدة. بين المشهدين، اللذين تكوّن فيهما عطوان وأنجز الجزء الأهم من رحلة العمر والمهنة، نتذكّر موقف الجندي الاسرائيلي الذي سمح له بالخروج الى الأردن متمنيّا أن لا يعود ابداً، ثم موقف موظفة المطار، ولعلها شرطية او عنصر أمن، التي تسأله سؤالا ممضّا: 'كم صار لك مقيما في الخارج' ويجيبها جواباً مؤلما: 'سبعة وعشرين عاما'.
يعود عطوان الى اسدود (التي صارت اشدود الاسرائيلية) ليتفقد أطلال اسلافه ويكتشف مقهى كان ابواه يتحدثان عنه، قبل ان يطرده من هناك مستوطن اسرائيلي قائلا له ان ما يجوس فيه هو 'خرابة'. 'اخوتي ولدوا في اسدود' يقول عطوان، فيرد المستوطن: 'هذا كان في الماضي'.
'لا انه ايضا المستقبل'.
بهذه الفكرة، الشاهقة بارتفاع سقفها الانساني، ينهي عطوان عملياً رحلته، وباصطحابه ولديه، اللذين يستعيدان تلمّس هويتهما الفلسطينية ولغتهما العربية وعلاقاتهما العائلية مع اولاد عمومتهم وخؤولتهم، الى ارض اجداده، يعيد الكاتب فتح نفق الأمل الذي لا يمكن لاسرائيل، مهما فعلت، أن تدمّره.
' ' '
قد يختلف قراء عديدون مع الكتاب والكاتب على الكثير من آرائه السياسية المثيرة للجدل، والتي كان بعضها شعبويا وترك له حيّزا كبيرا للمناورة (منها ذلك الاحترام القريب من التقديس لبن لادن، والدفاع عن انظمة استبدادية مهولة مثل نظام صدام حسين)، وقد يؤدي بعضها الآخر (مثل انتقادات لبعض الثورات العربية) لتآكل في تلك الشعبية المثيرة للجدل، غير أن الكتاب، وبسبب هذه 'المكاسرة' التي تميّزه، للآراء الرسميّة والشعبية معا، يكسب قدرة هائلة على الاضاءة على ما يصعب الاطلاع عليه في كتب اخرى.
يكشف 'وطن من الكلمات' جوانب مثيرة لشخصية اعلامية تركت بصماتها على الاعلام العربي المعاصر، وسيكون، دون شك، كتابا مرجعياً في أدب السيرة الذاتية العربية، وفوق ذلك كله، كتاباً شديد الإمتاع والأنس في زمن عزّت فيه الكتب التي تجمع بين المتعة والفائدة.
' كاتب من أسرة 'القدس العربي'
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات