عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

في ضرورات المؤامرة والاندساس

أرسل إلى صديق طباعة PDF
نظام عربي يواجه معارضة داخلية لا يجد خيراً من نغمة المؤامرة الخارجية والعصابات المندسة لتفسير الحراك الشعبي والارهاصات الثورية التي يواجها.
نفس النغمة سادت في عراق صدام، يمن علي عبد الله صالح، ليبيا العقيد ومصر مبارك الخ. حتى نظام الملالي استطاب موضوع المؤامرة الخارجية والتدخلات الخارجية حين احتاج نجاد لمواجهة المحتجين على انتخابات رئاسة فاقدة المصداقية.
ما هذه 'الموضة'، ولماذا يحتاج هؤلاء لاختراع روايات سريالية عن مؤامرة لا يصدق وجودها حتى اطفال؟
هل عجزت قريحة جهابذة الطغيان ومثقفي البلاط عن اجتراح خطاب عقلاني يحترم ذكاء المتلقي ويوصل لنفس الهدف؟ أم أن للأمر وجهاً آخر؟
صحيح أن كل هذه انظمة شمولي ويرفض الاعتراف بالآخر وبحق الاختلاف ضمن اطار الوطنية الجامعة، مع ذلك هذا لا يفسر اتفاقهم جميعاً على النغمة ذاتها.
قبل أنظمة الأفّاقين العرب، كانت إسرائيل سباقة لوصف الفدائيين الفلسطينيين 'بالمخرّبين' فما سر هذا التوافق بين أنظمة الطغيان العربية والنظام العنصري الإسرائيلي في ذمّ طالبي الحرية أنّى كانت مشاربهم؟
علم النفس التطبيقي قد يعطي تفسيراً لهذه الظاهرة ولإجماع الظالمين على خطاب واحد.
في تجربة شهيرة قام باحثون بالطلب الى مجموعة من الممثلين أن يلعبوا دور أفراد يتظاهرون بالم حين يتلقون صدمات كهربائية وطلبوا من مجموعة من طلبة الجامعات أن يوجهوا صدمات كهربائية عقابية، على مزاجهم، لهؤلاء الممثلين وبغرض التسلية.
اغلبية الساحقة من الطلاب رفضت تطبيق صدمات كهربائية مؤلمة فراد أبرياء لا يعرفونهم وليس لديهم من داع لمعاقبتهم. لكن امر اختلف قليلاً حين قال القائمون على التجربة للطلاب 'أن الممثلين، ضحايا الصدمات، هم مجرمون من نزلاء السجون وممن ارتكبوا جرائم مشينة'. بعض الطلاب وجدوا مقبولاً إعطاء صدمات كهربائية لمجرمين وقتلة. مع ذلك، لم يشارك الكثير من الطلاب في تعذيب الضحايا.
التجربة امريكية، التي جرت ابان الحرب الباردة، اختلفت نتيجتها جذرياً حين ذكر العلماء للطلاب 'أن الممثلين هم، في الحقيقة، عملاء سوفياتيون وكوبيون مندسون وأن الهدف من الصدمات الكهربائية هو اجبار هؤلاء الجواسيس على فضح اتصالاتهم وخططهم لبث البلبلة في الولايات المتحدة امريكية'
عملياً، كل الطلاب المثقفين والجامعيين الذين اشتركوا في التجربة، والذين سبق لهم وأن رفضوا تعذيب الضحايا، شاركوا بسعادة في اعطاء صدمات كهربائية مؤلمة شخاص لا يعرفونهم، لمجرد أن شخصاً يلبس قميصاً أبيض ويقدم نفسه على أنه عالم محترم، قال لهم أن هؤلاء الضحايا هم في الحقيقة عملاء ويشكلون خطراً على امن القومي لبلادهم !
اغرب هو أن من رفضوا وبشدة تعذيب الضحايا دون سبب في بداية التجربة، أظهروا تفانياً وجدية أكثر من غيرهم في تطبيق نفس العقوبة حين اعتقدوا أنهم بهذا الفعل المشين انما يؤدون خدمة لبلادهم! فوق ذلك، كلما بالغ الممثلون في اظهار الم، زادت شهوة معذبيهم لتطبيق العقوبة عليهم!
ماهي النتائج العملية لهذه التجربة؟
ليس من الضروري للمرء أن يكون 'شبيحاً' محترفاً لكي يقوم بأنذل افعال بحق مواطنيه، يكفي أن يكون هذا الشخص ساذجاً بما فيه الكفاية ليصدق ما ترويه له وسائل اعلام يثق بها وأن يعطل عقله وملكة التفكير المستقل لديه، وهذان أمران ليسا بالنادرين لدى شعوب لا تحترم التفكير المنطقي وتحكم عواطفها بدل تحكيم العلم والدلائل.
كيف يمكن مواجهة أشخاص لديهم قناعة بأنهم انما يخدمون قضية عادلة مع أنهم يقومون بأبشع الممارسات والرذائل ؟ هل يكفي فضح كذب السلطات وتشويهها للحقائق لإعادة الأمور إلى نصابها ؟ يبدو هذا كخطوة أساسية ولكنها قد لا تكون كافية مع الأسف.
ليس صدفة أن كل الانقلابات العسكرية في الماضي كانت تبدأ باحتلال مبنى اذاعة والتلفزيون! حين يتوقف المخدوعون عن تلقي الرسائل والتوجيهات التي تعطل عقولهم وتسيّر أفعالهم، فانهم يبدؤون في التفكير بشكل مستقل وبمحاكمة امور بشكل أكثر عقلانية.
القطريون أدركوا أهمية الخطاب الإعلامي والمصداقية فاستثمروا في قناة 'الجزيرة' وتبعهم آخرون. تباين الخطابات يعقد الأمور نوعاً ما أمام أقنية الشبّيحة التي تحتاج لكسب مصداقية لدى أزلام النظام ولسحب البساط من تحت أقدام الأقنية المعارضة. هذا ما يفسر منع دخول المراسلين غير الموثوق بهم ويفسر أيضاً مناورات الإعلام السوري، فيما يخص زينب الحصني مثلاً، لتكذيب الآخرين.
لنتصور أن ضابطاً في الجيش السوري قال لجنوده الذين يواجهون محتجين عزّل: 'هؤلاء مواطنون مسالمون، يرغبون بزوال الاستبداد وحكم العائلة اللصوصي، يريدون ديمقراطية وحكم قانون في ظل دولة مدنية، إنهم إخوتكم وأهلكم، أنتم منهم وهم منكم ولو اختلف المعتقد الديني بينكم وبينهم، لكن من واجبكم أن تقتلوهم!'. كم جندياً سيطلق النار على هؤلاء المتظاهرين؟ الأغلب أن أكثر الجنود سينضمون للمحتجين وسينشقون على الفور. من هنا ندرك لماذا يُمنع الجنود من متابعة محطات إعلامية غير تلك التابعة للنظام.
خطاب النظام التآمري موجه أساساً للداخل، لزبانيته ولمواطنيه لإقناعهم بشرعية القمع وبضرورة المشاركة في 'الدفاع عن الوطن المهدد'.
المهم أن يحافظ النظام على خطابه التجييشي والعاطفي وأن يتصدى لمنع أي خطاب نقدي أو حتى عقلاني. المطلوب أن يبقى عنصر الأمن أو الجندي المغرر به حبيس أفكاره المسبقة والخطاب العدواني للنظام. لا يريد نظام الشبيحة في دمشق الاعتراف بحق المعارضة في الوجود على الأرض والتعبير عن آرائها. يجب أن يبقى الجندي مقتنعاً، حين يسدد سلاحه ليقتل المتظاهرين، أنه يقوم بفعل وطني وأنه إنما 'يخلص' البلد من متآمر أو من إرهابي مندس. المهم أن يبقى زبانية النظام على غبائهم وعمى بصيرتهم وأن لا يحكّموا ضمائرهم ولا حتى عقولهم.
لا يستطيع النظام أن يغير خطابه في موضوع المؤامرة والاندساس. إن اعترف النظام بوجود الآخر، في شكل معارضة وطنية، وبوجود أزمة بينه وبين محكوميه فإنه يعرض نفسه لخطر انكشاف ألاعيبه وانهيار منظومته الفكرية والقيمية بالكامل.
حينها يدرك كل جندي يوجه سلاحه إلى صدور الشعب أنه قاتل، لا أكثر ولا أقل، ويدرك كل متعاون مع النظام أنه قد تم استغباؤه بغرض التآمر على بلده. كذلك سيدرك كل ضابط يقود عساكره بعيداً عن الجبهة وعن الأرض السورية المحتلة، أنه إنما يخدم أهداف أعداء الوطن والغرباء ويحارب لكي تستمر أسرة مستبدة في نهب البلاد والعباد.
إن خرج النظام السوري وأشباهه عن خطاب المؤامرة والإرهابيين فسيدرك كل أعوانه أنهم قد أصبحوا خونة، لا أكثر ولا أقل.
د أحمد الشامي - بيروت
هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات