عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

وطن النخبة

أرسل إلى صديق طباعة PDF

حدث ولد خْديجة، قال..

خمسون عاما، ولا نزال في الصفحة الأولى؛ صفحة تحديد الهوية، وبناء الدولة الوطنية. قدمنا إجابات خاطئة على السؤال الأول، فتقاسمتنا هويات الجوار شمالا وجنوبا. في الشمال المغربي والجزائري عربيان، لكنهما وطنيان أولا. وفي الجنوب السنغالي والمالي إفريقيان، لكنهما سنغالي، ومالي أولا... أما نحن فعرب أقحاح، نخجل من اسم موريتانيا،

أو نحمل المشعل الإفريقي لنحرق به الوطن.. ولم يفكر أحد في بناء هوية وطنية، كما بنى الآخرون هوياتهم، رغم التعدد العرقي، والثقافي، والمذهبي أحيانا...

 

لم يستطع الحزب الواحد، أو لم يرد، بناء هوية وطنية يصهر فيها كل الموريتانيين، وإنما هرب من المشروع الوطني ليجعلنا جسرا لهويات الجوار، سوقا حرة للهويات والثقافات، والإيديولوجيات المستوردة، تقامر فيها وتربي النخب السياسية والثقافية لتحقيق مصالح شخصية غالبا، وفئوية أحيانا.. ذهب الحزب الحاكم وحدود الوطن غير واضحة في ذهن المواطن. فقد قيل له "إن سيادتنا ناقصة ما لم يتحرر ذلك الجزء الغالي من وطننا"، وكاد الجزء، الذي عد "رخيصا" يدفع ثمنا لتحقيق حلم اليقظة. وقيل له إن حدود وطننا الكبير "من الذراع، إلى أزواد، ومن أزواد إلى شواطيء نهر السنغال". وبقي "نص الحدود" غامضا مثل كل شيء في وطن الحزب الواحد. لم يحدد المراد من حرف الجر "إلى" فهل يستخدم هنا بمعنى استغراق ما ذكر بعده، مثل قوله تعالى في التوبة ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين﴾ (الآية4)، أي إلى انقضاء مدتهم كاملة. أو يستخدم بمعنى إخراج ما بعده من حكم ما قبله، مثل قوله تعالى في سورة البقرة ﴿...ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾(الآية187)، بمعنى أن الصيام ينقضي بحلول الليل، وليس الليل من الصيام؟ وكذلك الأمر في شواطئ نهر السنغال، هل تقصد بها الجنوبية أم الشمالية؟

لا بد أن للنص أصلا فرنسيا، يرجع إليه عند الخلاف، وفي هذه الحال قد يقضي نحو "Port- royal" بخلاف ما ورد في "الكتاب"...

ثم جاء العسكر ومن معهم، فانشغلوا، بادئ أمرهم، بتصفية حساباتهم الأيديولوجية، والجهوية والقبلية، حتى استتب الأمر لمعاوية، فأعلن عن مشروع اجتماعي في خطاب النعمة سنة 1986، لكن ذلك الإعلان لم يترجم واقعيا، وإنما عمل العقيد على تكريس سلطته الفردية، ثم اضطر إلى فتح مجال العمل السياسي تحت رقابته، وآليات إفساده للنخبة السياسية، والثقافية، فأنشئت أحزاب على أسس غير وطنية، وهو ما أدركه المواطن البسيط فسماها بأسماء أصحابها، كما يسمي الدكاكين، والورش، و"القزرات".

أدرك المواطن البسيط أن الأحزاب السياسية استثمارات شخصية يؤمن أصحابها بها نصيبا لهم من مال الشعب، الذي جعله العسكر دولة بين الأغنياء. فليس لهذه الأحزاب نشاطات اجتماعية، ولا أعمال خيرية، وإنما هي ماكينات انتخابية يتم تشحيمها، وتسخينها، في الفترات الانتخابية، ثم تترك للإهمال حتى الموعد الانتخابي القادم...

وهكذا، بدل أن تكون لدينا نخبة وطنية، أصبح لدينا وطن للنخبة؛ ثلة تتقاسم موارد الوطن دون أغلبية مواطنيه، الذين يعانون الفقر والتهميش. وأسفر الحوار الوطني الأخير عن إعادة توزيع الثروة بين النخبة عن طريق زيادة المستفيدين من المرتبات، والامتيازات التي يحظى بها النواب، الذين لا يحضر أغلبهم جلسات الجمعية الوطنية. زيد عدد النواب ليبلغ 150، ومنع الترشح الحر حتى تضمن النخبة المسيطرة عدم تسلل وافدين جدد...

إن كل ما تضيفه زيادة عدد النواب، هو زيادة الأعباء المالية على خزينة الشعب، التي ستدفع للنواب مرتبات بقيمة مائة وعشرين مليون من الأوقية (120000000)، في الشهر الواحد، أو مليار، وأربع مائة وأربعين مليون أوقية (1440000000) في السنة، ناهيك بالامتيازات، والعلاوات الأخرى، يضاف إلى ذلك مرتبات سكرتارياتهم، ومستشاريهم. كل هذا المال العام يدفع لأغنياء لا يؤدون أي خدمة ضرورية للوطن. وما يقال عن الجمعية الوطنية يقال عن مجلس الشيوخ، والمجالس البلدية، التي لم تقدم للمواطن أي خدمة سوى فرض رسوم على معاملات كانت مجانية، وهو في بعض تلك البلديات يعامل باحتقار من قبل موظفين (موظفات في الغالب)، يأتي السرعان منهم في حدود العاشرة. يقف المواطن في طوابير طويلة، لساعات عديدة، للحصول على مستخرج شهادة ميلاد، ويدخل آخرون إلى البلدية، ويخرجون، في لمح البصر، وقد أنجزوا معاملاتهم!!!

وتدفع للأحزاب المنشأة على أساس جهوي، أو فئوي في الغالب، أموال طائلة من خزينة الشعب، تتقاسمها نخبة الحزب. فهل سمع موريتاني أن أيا من تلك الأحزاب قام بنشاط خيري، لغرض وطني غير انتخابي؟ أو أن لها نشاطا تثقيفيا، يعرف المواطن بحقوقه، وواجباته، ويربيه تربية وطنية صالحة؟ وهل ذهب مواطن إلى أي من الأغنياء الذين انتخبهم، فذلَّلَّ له صعوبة عند إدارة، أو رد عنه مظلمة؟ هل مدت النخب السياسية، التي تتقاسم الشعب، أيديها إلى جيوبها المنتفخة، تضامنا مع الشعب بعد شح الأمطار. لقد وضع بعضهم اللوم، تحت قبة البرلمان، على الرئيس، الذي قال إن السحاب (يقصد المطر) سيأتي، ولم يأت! وانتقد آخرون إقامة بنية تحتية، يستفيد منها الفقراء، متحسرا على أن "قدروهات ما تنتكل"! وشكك آخرون في تفكيك القزرات، مع أنهم مزاحمون فيها...

وجاءت ثالثة الأثافي من ثالوث جديد يحمل شعار "ثلاثة من أجل واحد"، ولعل الحقيقة "ثلاثة لنهب واحد". تلك خطوة جديدة نحو "لبننة الوطن"، في عملية محاصصة لا تستفيد منها سوى النخبة، التي تستثمر قضايا الفقراء لتستفيد من ورائها. كنا اثنان، فأصبحنا اليوم ثلاثة، كم سنكون غدا! أليس من العار التخندق في هوية "الغيتو" لاقتطاع رطل من لحم الوطن على طريقة "شايلوك"؟ لا يخدم نظام المحاصصة سوى الرديئين من أبناء الوطن، لأن نظام المحاصصة يستبعد الكفاءة؛ تسند مسؤولية إلى شخص من فئة معينة على معيار واحد، هذه المسؤولية مخصصة لفئته، بينما نجد في الفئات الأخرى من هو أعلى كفاءة منه، وينتهي الأمر بأن تسند المسؤوليات للرديئين من كل فئة، ويهاجر الأكفاء...

نسي أصحاب شعار "ثلاثة من أجل واحد" فئة رابعة، نص القانون على تمييزها تمييزا إيجابيا؛ فئة الإناث. لقد كان ذلك القانون باطلا أريد به باطل. باطل لأنه تمييز بين أبناء الوطن على أساس الجنس، رغم أن الفروق بين الجنسين ليست واضحة إلا في الوزن، وأريد به باطل لأن الإناث المستفيدات من قانون التمييز إناث ذكور النخبة المسيطرة. وبذلك زادت تلك النخبة من سيطرتها على مفاصل الدولة، وضاعفت حصتها من مال الشعب، فلم يعد مال الشعب ينهب من قبل أفراد النخبة، وإنما من قبل عائلات النخبة، وهو ما يعني التناقص المطرد للفتات الذي يصل إلى الشعب.

لقد أصبح الدخول إلى الوظيفة العمومية أسهل عن طريق لعبة الزواج والطلاق، بدل الدخول في مسابقات مفتوحة. تتزوج المرأة (المنحدرة من النخبة) من أحد أفراد النخبة فتحصل على حصتها المفروضة من الوظائف الانتخابية، والإدارية، ثم تطلق الرجل، أو يطلقها، ويتزوج من جديد لتدخل امرأة جديدة، قد تكون أخت مطلقته، إلى الوظائف المخصصة للنساء... وقد يعود، بعد نجاح العملية، إلى زوجته الأولى في انتظار أن تكمل أختها الصغرى دراستها...

ذاك حال وطن، مضى على استقلاله واحد وخمسون عاما، ولا يزال بلا نشيد وطني يردده أطفال المدارس في الصباح، وبلا هوية وطنية واضحة تنتمي إليها جميع مكوناته، بدل التخندق في الخصوصيات، وبلا مشروع اجتماعي يجند الطاقات...

لكنه يملكْ..

نخبة تعرفْ..

من أين تؤكل الكتفْ..

وتلصق الوركْ..

بكرسي الملكْ..

وتنهب الأموالْ..

وتنبت النطفْ..

من العم والخالْ..

وسارق السلفْ...

دكتور/محمد إسحاق الكنتي

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

 

اقلام حرة

 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات