عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

صحوة الشيعة

أرسل إلى صديق طباعة PDF
الكاتب ولي نصر: أستاذ سياسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا في دائرة الدراسات العليا التابعة للأكاديمية البحرية، وزميل قديم مساعد في مجلس العلاقات الخارجية. يقيم حالياً في لايولا بولاية كاليفورنيا، مع زوجته وأولاده الثلاثة.
المترجم: سامي الكعكي / الصفحات: 286 / الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت
تمهيد
عديدة هي العوامل التي تضغط على الرأي العام عند مجتمع المسلمين باتجاه النظر الى الأمور بسطحية غارقة بتأثيرات انتماءات تغلب عليها العاطفة أكثر من الاعتقاد، ويغلب عليها الاندفاع أكثر من العقل، وهو ما يتضح من خلال تبرير أخطاء الذات (الشخص أو المذهب أو المجتمع)، يوازيه، تأهب مسبق باتجاه تخوين وتسقيط ما يصدر عن الآخر، ولذلك ظلت معظم اختلافتنا الدينية والفكرية والسياسية والاجتماعية تراوح في منطقة الـ (لا حل)، وهي اختلافات – ما زالت – مفخخة تنفجر بين حين وآخر. أحد الأسس التي قامت عليها منطقة الـ (لا حل) هو التكفير الذي يتسع حتى يصل الى القتل على الهوية والانتماء، وهو ما يظهر – خصوصاً – في مواسم عاشوراء وزيارات مراقد أهل البيت (سلام الله عليهم)، وهذا الاندفاع الإيماني" باتجاه القتل – بأبشع الطرق توحشاً – لا ينحصر "أبطاله" بزمرة من "الجهاديين الأصوليين" فقط، وإنما يتسع الى ما هو أكثر، حيث إن التكفيريين "الذباحين" يستندون الى فقه "أئمة" ورأي "علماء" قدامى ومعاصرين، ومنهم من تسميهم وسائل الإعلام متطرفين أو معتدلين... وبالرغم من إن هذا واقع تتجلى تفاصيله – بوضوح – في أكثر من زمان ومكان، لكنه يبقى (الواقع) من ضمن الحقائق الكثيرة التي لا يسلط الضوء عليها إما دعماً له باتجاه تفعيله لغرض استثماره – غالباً – سياسياً أو في إطار الصراع المذهبي (القديم – الجديد) وإما خشية تفاقم هذا الواقع المأزوم الى ما هو أسوأ، وهو بمثابة االفرار الى الى ما يُهرب منه. ولعل كتاب (صحوة الشيعة) يمثل خطوة الى الأمام باتجاه تسليط الضوء على بعض (وربما أهم) الاختلافات التي تتعايش معها مجتمعاتنا وربما تعيشها وهي الى ربها ناظرة وهي حالة السقوط في الجهل المركب والإيمان بالكفر.
مؤلف كتاب (صحوة الشيعة) ولي نصر الباحث في قضايا المنطقة يقف في كتابه على جوانب من حقيقة التناحرات المذهبية والصراعات السياسية داخل الإسلام. فكتابه صحوة الشيعة – كما يرى الناشر – "رواية تاريخية ثاقبة لبواطن الأمور في الصراعات التي عصفت بالعالم الإسلامي على مرّ القرون، وكيف إن المستقبل نفسه يبقى رهناً بإيجاد حلّ سلمي للمنافسة قديمة العهد القائمة بين السنّة والشيعة".
وفي هذه القراءة السريعة للكتاب لابد من الوقوف عند محطة عاشها المؤلف قبل كتابة كتابه لما في هذه الواقعة من تفاصيل ومضامين تفتح للقارئ نوافذ ومدارك للاقتراب – أكثر – باتجاه فهم الأمور كما هي. يقول الكاتب في تمهيده للكتاب:
"في أوائل عام 2003، وبالتحديد حوالي بدء الحرب في العراق، كنتُ في زيارة لصديق قديم لي من الشيعة في باكستان. يومها رحنا نتحدث عن التغييرات والتحوّلات التي أخذت تكتسح الشرق الأوسط. بالنسبة لصديقي هذا، كان هناك شيء ملتوٍ ويبعث على السخرية من كل ذلك الحديث عن السُنّة والشيعة الذي يملأ أمواج الأثير ويبلبل بوضوح أفكار أولئك الناس في الغرب ممّن يظنون أن كل ما يهم في العراق والشرق الأوسط هو النضال في سبيل الديمقراطية. وهذا ما حدا به إلى استعادة حوار جرى له مع مسؤول أميركي رفيع المستوى. لقد كان صديقي من كبار الموظفين الحكوميين الباكستانيين في ثمانينيات القرن العشرين، وكان يعمل ضابط ارتباط مع البنتاغون في إدارة دفة الحرب ضد السوفييت في أفغانستان. فتذكّر أنه في تلك الأيام الخوالي، عندما كان بعض الشيعة يشنون حرباً نشطة ضد الولايات المتحدة، وكان المجاهدون الأفغان هم "الأبطال" و"الأخيار"، كثيراً مما كان يحلو لنظيره الأميركي ـ وهو مسؤول رفيع في البنتاغون ـ أن يغيظه بالقول إن الشيعة غيلان متعطشة للدماء. فكان صديقي يردّ على ذلك بأن الأميركيين لا يفهمون الأمور حق الفهم. كان يقول لزميله الآتي من الولايات المتحدة: حسبك أن تنتظر لترى الأمور على حقيقتها. إن المشكلة الحقيقية ستكون مع السُنة. إنهم هم المُسْتَكْبِرون والشيعة هم المُستَضْعَفون. ومر الزمن وتقاعد صديقي من الوظيفة الحكومية. وذات عصرٍ خريفي ناعس من خريف عام 2001، وكان ذلك بُعيد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، إذا به يستيقظ من غفوته الخفيفة على زعيق أبواق قافلة من السيارات السوداء المطهّمة تكرج قاصدة منزله في إسلام آباد. لقد عاد صديقه الأميركي القديم ـ وهو الذي صار الآن شخصاً مهماً في واشنطن ـ عاد إلى باكستان مجدداً ليُدير حرباً أخرى في أفغانستان، وقد ارتأى أن يعرّج عليه أولاً. سأل الأميركي صديقي الباكستاني: أما زلتَ تذكر نقاشاتنا طوال تلك السنوات عن الشيعة والسُنّة؟ أُريدك أن تشرح لي ماذا كُنتَ تقصد بقولك إن السنة هم من سيشكّلون لكم المشكلة الحقيقية. وهكذا شرح صديقي له الفوارق ما بين الطائفتين المسلمتين، ومَنْ تغلّب على مَنْ ومتى كان ذلك ولماذا، وماذا يعني كل ذلك اليوم. وما قاله صديقي لزائره الأميركي اكتسب أهمية أكبر، خاصةً وأن الحرب العراقية أضافت طبقة جديدة من التعقيدات على المشاكل الشائكة أصلاً التي كانت تواجه الولايات المتحدة غداة 11 أيلول/ سبتمبر. فهناك الآن أيضاً مضاعفات ومفاعيل النزاع الشيعي ـ السُنّي التي ينبغي أخذها في الحُسبان، وفي الوقت الذي يتعين فيه على القادة الأميركيين البحث عن سُبُل لاحتواء خطر التطرُّف الإسلامي، والسعي فوق ذلك إلى تحقيق الإصلاحات في الشرق الأوسط".
الشعائر الحسينية
بعد تعتيم الإعلام الحوكمي الصدامي والعربي الطائفي على طقوس الشيعة رسمت زيارة أربعين سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله عليه وسلامه) الأولى بعد سقوط نظام صدام المقبور مشهداً لافتاً للعالم، حيث جموع غفيرة من الزائرين تزحف سيراً على الأقدام إلى مدينة كربلاء، ملايين تزحف غير مبالية بالأخطار المحدقة وغير مبالية بتوقف كامل لخدمات الدولة، تزحف هذه الملايين إلى مرقد سيد الشهداء الإمام الحسين (سلام الله عليه). يقول ولي نصر أستاذ سياسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا في دائرة الدراسات العليا التابعة للأكاديمية البحرية في أمريكا في كتابه صحوة الشيعة عن هذه المشهد اللافت: "في ذلك الأربعين بالذات الذي جاء غداة اليوم المشهور الآخر، يوم اسقط رجال الماريننز الأميركيون، وعراقيون مبتهجون، تمثال صدام المجوف في ساحة الفردوس ببغداد، صادف أن كنت في ضواحي لاهور.. وكان جهاز التلفاز مولفاً على محطة (سي أن أن)، حيث أن الجميع كانوا يتابعون الأخبار الاتية من العراق، فتحولت التغطية المتلفزة إلى نقل مشاهد لشبان شيعة يقفون مكتظين متراصين، في ظل القبة المذهبة لمقام الإمام الحسين في كربلاء، كانوا جميعاً يرتدون قمصاناً سوداء، ويعصبون رؤوسهم بأوشحة خضراء اللون؛ كانوا ينشدون مرثاة بالعربية لإمامهم المحبوب، وهم يرفعون أكفهم عالياً نحو السماء، كما لو كانوا يصلّون ثم ينزلونها في تساوق وانسجام لتقرع صدورهم في حركة إيقاعية متواترة ملؤها التفجع و التضامن .. كانت للصورة جاذبية المغناطيس، لقد كان الشيعة يومها في الشوارع والطرقات، وكانوا يرفعون عقيدتهم وهويتهم عالياً كي يراهما الجميع، فجعلنا نبحلق في شاشات التلفاز ..." .
ويعزي ولي نصر أحد أسباب دراسته للشيعة وكتابته كتاب (صحوة الشيعة) إلى المشاهد التي شاهدها ذلك اليوم الحسيني الباهر: "كنت في رحلة استطلاعية في باكستان خلال شهر نيسان/ أبريل 2003 حين احتشد زهاء مليوني شيعي في كربلاء العراقية لإحياء ذكرى (الأربعين) لاستشهاد الإمام الحسين في كربلاء عام 680م. كان صدام قد حظر إقامة مثل هذه التجمّعات لسنوات طويلة. فآخر شيء كان يريده هو أن يرى مثل هذا العدد الغفير من الشيعة محتشداً في مكان واحد، وفي حالة من الاستثارة الدينية الجيّاشة، لتبجيل بطلٍ من أبطال دينهم، يمتّ بصلة القربى إلى النبي محمد، وقضى نحبه ـ على ما يعتقد الشيعة ـ وهو يُقارع الظُلم والطغيان حتى الرمق الأخير".
ويواصل الباحث ولي نصر حديثه عن مشهد (زيارة الأربعين) المدهش: "في ذلك (الأربعين) بالذات، الذي جاء غداة اليوم المشهور الآخر، يوم أسقط رجال (المارينز) الأميركيون، وعراقيون مبتهجون تمثال صدام المجوَّف في ساحة الفردوس ببغداد، صادف أن كنتُ في ضواحي لاهور في زيارة لمقر جماعة سياسية أصولية إسلامية تُعرف بـ جماعتي إسلامي (الحزب الإسلامي أو الجماعة الإسلامية). كان جهاز التلفاز في المكتب مولفاً على محطة "السي إن إن" حيث إن الجميع كانوا يتابعون الأخبار الآتية من العراق. فتحوّلت التغطية المتلفزة إلى نقل مشاهد لشبّان شيعة يقفون مكتظين متراصّين في ظل القبة المذهَّبة لمقام الإمام الحسين في كربلاء. كانوا جميعاً يرتدون قمصاناً سوداء ويعصبون رؤوسهم بأوشحة خضراء اللون (لون الإسلام المُتعارف عليه)؛ كانوا ينشدون مرثاة بالعربية لإمامهم المحبوب وهم يرفعون أكفّهم عالياً نحو السماء كما لو كانوا يصلّون ثم يُنزلونها في تساوق وانسجام لتقرع صدورهم في حركة إيقاعية متواترة ملؤها التفجّع والتضامن وتبكيت الذات. كانت للصورة جاذبية المغنطيس، وهي تجمع ما بين الابتهاج والتحدّي في آن. كان الشيعة يومها في الشوارع والطُرقات، وكانوا يرفعون عقيدتهم وهويتهم عالياً كي يراهما الجميع. فجعلنا نُبحلق في شاشة التلفاز، فيما وقف أفراد "الجماعة" السُنّة مشدوهين مذعورين لما تراه أعينهم. وإذا بجوٍ بغيض يغشى القاعة.
ويضيف: "لم يحدث أن رأى العراق مثل تلك المشاهد على مدى جيل كامل أو أكثر وها هو العالم الآن يقف شاهداً على صحوة الشيعة وانبعاثهم. كان المعلِّق في (سي أن أن) يكرر القول بأن العراقيين باتوا أخيراً أحراراً ـ كانوا يؤدون طقساً لا يفقه الجمهور في الغرب معناه، لكنه كان محرّماً على الشيعة لعقود وعقود. ما كان يراه الأميركيون حرية عراقية، كان المضيفون الباكستانيون يرون فيه عرضاً صفيقاً لشعائر تجديفية تدخل في باب المحرّمات بالنسبة للمتشدّدين من أهل السُنّة. العراقيون الآن أحرار ـ أجل أحرار في أن يكونوا شيعة، أحرار في تحدّي السلطة السُنّية والمفهوم السُنّي لـ "المسلم الحقيقي"، وأحرار باستردادهم لمعتقداتهم التي يعود عهدها إلى ألف سنة أو يزيد. قال واحد من مضيفيّ: هذه أعمال باطلة. العراقيون ـ وكان يقصد بهم الشيعة ـ لا يعرفون كيف يُمارسون الإسلام ممارسة صحيحة. وأضاف بأن السجالات بين السُنّة والشيعة حول حقيقة الرسالة الإسلامية وكيفية ممارستها سوف تستمر، وهي لن تستمر بشكل سلمي ورمزي فقط، بل بالقنابل والرصاص أيضاً. ولم يكن يتكلّم آنذاك عن العراق، بل عن باكستان".
وفي استقراء للوجدان السني يقول الكاتب ولي نصر متحدثاً عن انعكاسات سقوط طاغية مجرم على نفوس المتدينين في باكستان. يقول: "أقرّ كل من كنتُ في ضيافتهم من "الجماعة الإسلامية" فيما يُشبه اليأس بأن الوضع في العراق سوف ينكأ الجراح الطائفية في باكستان، وأن الصراعات التي ستتلو حتماً في العراق لا بد وأن تكتمل فصولاً في المساجد وعلى قارعة الطُرُقات في كراتشي ولاهور أيضاً. وفي وقت لاحق من تلك السنة، حدثت تفجيرات أثناء احتفال الشيعة بعاشوراء (المناسبة الرئيسية لإحياء ذكرى استشهاد الحسين)، فقتلت العشرات في بغداد والنجف، وفي كويتا بباكستان. ثمة خيط مشترك كان قد بدأ فعلاً يحيك النزاع الطائفي في كلا البلدين. وهذا الخيط كان ومنذ أمد طويل في صُلب النسيج المكوِّن للحياة الاجتماعية والسياسية على امتداد الشرق الأوسط الكبير ـ يكون حيناً غير مرئي متوارٍ داخل سياسة محلّية يُمكن لها أن تكون أشدّ تعقيداً وأغنى بالألوان من نقشة سجادة أصفهانية، وقد يكون في أحيانٍ أخرى بارزاً جلياً للعيان كالخط الفاصل المرسوم وسط طريق سريع".
تاريخ نزاع
لا شك بأنه مع دخول الألفية الثالثة وتطور وسائل الاتصال وتبادل المعلومات تعززت بشكل واضح الانتماءات الفرعية – إذا جاز التعبير – أو بشكل أدق الانتماءات الخاصة على حساب الانتماءات العامة، حتى أخذ عدد من مفكري السياسات الاستراتيجية بتوصيف سياسة هذا العصر بـ(السياسة القائمة على الهوية). تماماً كما لو أن عالمنا يتمدّد وينكمش في الوقت نفسه، بشرٌ مختلفون فيما بينهم يعتنقون قيماً كونية، وجماعات كانت ذات يوم منعزلة باتت تُشارك على مستويات غير مسبوقة في التجارة والاتصالات مع العالم الخارجي. لكن الواقع مع ذلك هو أن الروابط العرقية واللغوية والإثنية والدينية البدائية، أو القريبة من البدائية، ما برحت تفرض وجودها بتصميم عنيد. هذا هو الحال في زماننا، وليس في مقدور العالم الإسلامي أن يهرب منه. إن نزاعات الهوية فيه في حركة مدّ وجزر، وهي إلى تجانب الصراعات التي غالباً ما تستقطب أنظار العالم ما بين الأصولية والحداثة، أو ما بين التسلّطية والديمقراطية، ما سيرسم صورة المسلمين في المستقبل.
وفي إطار النزاع الإسلامي – الإسلامي يقول الباحث ولي نصر: "إن النزاع الشيعي ـ السُنّي هو في آن معاً صراعٌ على الإسلام، ومظهر من مظاهر الحرب القبلية بين إثنيات وهويات؛ وقد يبدو عتيقاً مهجوراً في بعض الأحيان، إلا أنه مع ذلك حيويّ إلى حدٍ مدهش وقد صارت البشرية معتادة عليه لدرجة الإملال. وإن الإيمان والهوية يصبّان في هذا النزاع، وقوتهما المتضافرة تُفسِّر لنا إلى حد بعيد لماذا دام هذا الصراع برغم فترات التعايش التي عرفها كل هذا الزمن المديد، وما الذي جعله يحتفظ بمثل هذه الراهنية والأهمية. إنه ليس مجرد نزاع أو خلاف ديني قديم العهد، أو قطعة متحجّرة تعود إلى السنوات الأولى من ظهور الإسلام، بل هو تصادم راهن بين هويات متضاربة وإن الخلافات اللاهوتية والتاريخية تغذّيه، وكذلك مشاغل الحاضر لجهة السلطة والاستتباع والحرية والمساواة، ناهيك عن الصراعات الإقليمية والمؤامرات الأجنبية. ومن المفارقة بمكان أنه نزاع عتيق جداً لكنه حديث للغاية".
وفي تداعيات هذا الصراع بوقائعه الجديدة واللاهبة أن زعزعت الدعوة الأميركية الى نشر الديمقراطية في المنطقة حلفاءها في الوقت الذي عجزت فيه عن استرضاء أعدائها. والحرب في العراق حملت إلى السلطة إئتلافاً دينياً شيعياً وأوجدت تمرداً إسلامياً ـ قومياً لا يفتأ يُلهب يُلهب جذوة التطرف الجهادي. يقول الباحث ولي نصر: "وهكذا استرعى النزاع الشيعي ـ السُنّي انتباه العالم. لكن بالنسبة للعرب والإيرانيين والأفغان والباكستانيين الذين يعيشون في المنطقة، إنه البلاء الدهري الذي ينفجر من آن لآخر ليصوغ التاريخ واللاهوت والشرع الإسلامي، فضلاً عن السياسة الإسلامية. ولطالما كان هذا النزاع أكثر أهمية بكثير في رسم صورة الشرق الأوسط مما يُدرك الكثيرون أو يعترفون به، لقد كانت للغرب، هو الآخر، حروبه الدينية. فهناك حرب الثلاثين سنة؛ وهناك النزاع الطائفي في إيرلندا الشمالية حتى يومنا هذا؛ وهناك أشكال التحامل والتمييز الصامتة، لكن الحقيقة، التي يُمارسها الغربيون بحقّ بعضهم بعضاً بسبب الفوارق والاختلافات الدينية. لم تكن تلك النزاعات دائماً على قضايا تتعلّق بالمبادئ اللاهوتية، بل كانت في أغلب الأحيان تعبيراً عن ادعاءات متنافسة بأحقّية امتلاك السلطة تُطلقها جماعات متزاحمة فيما بينها وتعود في جذورها إلى هويات دينية متباينة. فالدين ليس فقط عن الرب والخلاص، بل هو ما يرسم حدود الجماعات. والقراءات المختلفة للتاريخ واللاهوت والشرائع الدينية إنما تؤدي الدور نفسه الذي تؤديه اللغة أو العرق في تحديد ما الذي يجعل كل هوية نسيجاً وحده، وكذلك في البتّ بمن ينتمي ومن لا ينتمي إليها".
ويضيف: "لا مراء في أن الصدع القائم بين السُنّة والشيعة هو الحقيقة الأخطر في الإسلام. فقد انفصلت الطائفتان بعضهما عن بعض في زمنٍ مبكر من التاريخ الإسلامي، وكل واحدة منهما ترى في نفسها العقيدة الأصلية القويمة. إن انفصالهما يُماثل إلى حد ما الانشقاق البروتستانتي ـ الكاثوليكي في المسيحية الغربية. ومثلما أن النزاعات والصراعات السالفة ما بين الملل والنحل المسيحية هي التي صنعت السياسة في أوروبا، أرى أن النزاع بين السُنّة والشيعة هو ما سيرسم على الدوام معالم التاريخ في العالم الإسلامي والشرق الأوسط الكبير. لقد تمحور الفهم السُنّي للسلطة حول الانشغال التام بمسألة الأمن والنظام. فالدين لا يتوقف على نوعية السلطة السياسية بقدر ما يتوقف على قُدرته على رفد الإيمان كي يبقى حياً وينمو. وهكذا وجدنا المشرّعين السُنّة في القرون الوسطى يطوّرون نظرية في الحُكم يدعم بمقتضاها رجالُ الدين السلطة الحكومية طالما ضمن الحكّام النظام والاستقرار وحموا الجماعة المسلمة . واستطراداً، ليس السلاطين ملزمين بأن يكونوا قادة روحيين أو الادعاء بأنهم يقيمون نظاماً إسلامياً كاملاً. وللمرء حتى أن يقول إن وظيفتهم الأساسية هي بالأحرى حفظ قيم الإسلام ومصالحه وليس تحقيق مثالاته الروحية. وهذا ما يُميِّز الموقف السُنّي تجاه السلطة عن نظيره لدى الشيعة، الذين ينكرون على الخلفاء والسلاطين مثل هذه الشرعية. لكن يبقى أن ما يُباعد بين الشيعة والسُنّة على نحو مؤكّد هو ذلك الاحتفال الكبير من فعاليات الحِداد والتذكّر والتكفير الذي هو عاشوراء. إن التشيُّع ومنذ أيامه الأولى، قد عُرف بالشواهد التي يملكها على التزامه بالمبادئ الأخلاقية للإسلام ـ شواهد تجد تعبيرها العلني الأكبر في ممارسة الشعائر والطقوس، ومن خلالها تلك التي تذكِّرُ الجماعة بالمكانة الخاصة التي يحتلّها الحدث المكوِّن للتشيُّع بامتياز. ولئن كانت هناك بالفعل مقاربات شيعية للعقيدة الإسلامية وللشرع الإسلامي، إلا أن هذه نشأت وتطوّرت جنباً إلى جنب مع الشعائر والطقوس".
ويشير الكاتب ولي نصر الى دوافع التفكير عند السنة والشيعة ونمطه وأهدافه فيقول: "على ضوء تاريخهم، لم يحاول الشيعة يوماً أن يقرنوا شرعية أو صلاحية إيمانهم بالنجاحات الدنيوية. وبعكسهم، أصبح السُنّة معتادين على الاحتفاء بهيمنتهم في العالم من خلال مؤسّسة الخلافة الزمنية المتجبّرة. وبالنتيجة، لا يجد الشيعة صعوبة كبرى ـ بعكس السُنّة ـ في التأقلم مع التدهور النسبي للقوة الإسلامية في العصر الحديث، ما دام هذا التدهور لا يوحي بوجود أزمة إيمان في نظر الشيعة. وإذا كان مدار المذهب السُني هو الشرع و "ما يجب" و "ما لا يجب" فعله في الإسلام، فإن مناط المذهب الشيعي هو الشعائر والعاطفة والدراما. صحيح أن الشيعة يتّبعون الشرع الإسلامي باحتراس لا يقلّ عن السُنّة، إلا أن تديّنهم لا يحدّده الشرع. فقبل أن يكون هناك فقه شيعي، كان ثمة تديُّن يُعرِّف المؤمن بما يتعدّى الشرع ويفوقه. والإفراط الحالي في الذهنية الشرعية الذي نجده عند آيات الله الإيرانيين إنما يُعتبر بوجه من الوجوه "تسنيناً" للتشيُّع، وهو انعكاس للتأثير الذي مارسته الأصولية السُنّية في العقود الأخيرة بنزعتها المتزمتة وحركيتها السياسية الحادّة"
مستقبل الصراع
في جانب آخر من الكتاب يمضي الباحث ولي نصر في قراءة مستقبلية للصراع السني – الشيعي فيقول: "في الوقت التي تُجبر فيه الحرب والديمقراطية والعولمة الشرق الأوسط على فتح أبوابه لسلسلة من التغيُّرات التي صُدَّت زمناً طويلاً، ستغدو نزاعات على شاكلة الانقسام الشيعي ـ السُنّي أكثر تواتراً وأشدّ حدّةً. وقبل أن يُكتب للشرق الأوسط الوصول إلى سرّ الديمقراطية والازدهار، سيترتب عليه أولاً أن يسوّي تلك المنازعات القائمة ما بين المجموعات الإثنية كالأكراد والأتراك والعرب والفرس، وأهمّ منها ذلك النزاع الأوسع نطاقاً والأبعد مدى بين السُنّة والشيعة فكما أن تسوية النزاعات الدينية كانت بمثابة بداية العبور لأوروبا نحو الحداثة، كذلك سيكون على الشرق الأوسط لزاماً أن يُحقّق سلمه الطائنفي قبل أن يتسنى له العيش وفق قُدراته وإمكانياته".
ويضيف: "سوف نشهد في السنوات القادمة تنافساً حامياً على السلطة بين الشيعة والسُنّة في العراق أولاً، ثم على امتداد رقعة المنطقة في نهاية المطاف. وخارج العراق، سيتعين على بلدان أخرى (حتى وهي تعتنق مبدأ الإصلاح) أن تتصدّى هي الأخرى لتنافس مستحكم بين هاتين الطائفتين. وهذا النزاع السنّي ـ الشيعي سيكون له دور كبير في رسم صورة الشرق الأوسط ككل، وكذلك في تكوين وتظهير علاقاته بالعالم الخارجي. إن النزاع الطائفي هذا سيجعل المتطرفين السُنّة أشدّ تطرفاً، ومن المرجّح أن يُعيد إلهاب جذوة الحماسة الثورية بين الشيعة. سيصطبغ هذا النزاع في بعض الأوقات بالدموية، حيث إنه سيقوّي شوكة المتطرفين، ويوسّع صفوفهم، ويُكسب قضيتهم شعبيةً، ويُعلي نبرتهم السياسية، مما سيُعقّد بالتالي الجهد الأوسع نطاقاً لاحتواء التطرف الإسلامي. وحتى الذي سيحاول إطفاء نيران النزاع الطائفي، لن يفعل ذلك دائماً باسم الاعتدال؛ بل سيسعى بالأحرى إلى بناء جبهة مشتركة بن السُنّة والشيعة من ضمن نضال أكبر موجَّه ضد الولايات المتحدة وإسرائيل".
وفي معرض تأكيده – بحسب رأيه – موضوعية بحثه (كتابه) في تناول طبيعة انتماءت الشيعة والسنة الى معتقداتهم يقول الباحث نصر: "ليس الشيعة أو السُنّة بجماعة واحدة متماسكة تماسكاً صوّانياً؛ وهذا الكتاب لا ينطلق من هكذا مقدمة. فأتباع تكل طائفة منهما منقسمون فيما بينهم من حيث اللغة والعرق والجغرافيا والطبقة الاجتماعية. كما تقوم داخل كل طائفة منهما جملة من الاختلافات بشأن المسائل السياسية واللاهوتية والفقهية، دع عنك التباين ما بين المتدينين والأقلّ التزاماً بالفرائض الدينية، أو حتى العلمانيين بغير تحفّظ. إن العالم الشيعي والعالم السُنّي يتداخلان ويتمازجان جغرافياً. كما أنهما يمتدان على رقعة واسعة ومنوّعة من الفضاءات الثقافية ويشملان عدداً وافراً من المجموعات الإثنية الأصغر حجماً. فهناك فضاءات ثقافية عربية وفارسية وجنوب آسيوية ـ إذا ما كان لنا أن نذكر بعضاً منها فقط ـ ومن ثم داخل تلك الفضاءات تجد مزيداً من التفرّعات الإثنية واللغوية. ففي العراق مثلاً، هناك الفوارق العريضة ما بين العرب والأكراد والتركمان الشيعة، هذا فضلاً عن الاختلافات القائمة بين أهالي المدن وأبناء العشائر والفلاحين وسكّان "الأهوار". ومهما حاولنا أن نركز على أوجه الاختلاف والتنوّع في الآراء والتقاليد والمواقف والمصالح داخل كل جماعة من هذه الجماعات. فليس التنوّع أو التباين هو ما يُحدّد في نهاية الأمر النزاع، بل النزاع هو ما يُحدِّد المواقف الاجتماعية التي هي موضع تقاسم واسع النطاق".
ويبين نقاط التمازج الاجتماعي بين الشيعة والسنة من خلال تناول المشهد العراقي فيقول: "لقد أشار العديد من المعلّقين إلى أنه حتى في العراق، حيث النزاع بين السُنّة والشيعة على أشدّه، ليس العداء بين الطائفتين عميقاً كما هي الحال بين البروتستانت والكاثوليكي إيرلندا الشمالية أو بين المسيحيين والمسلمين في لبنان. فالبغضاء في العراق ليست عميقة إلى تلك الدرجة، والشيعة إنما يلومون صدّام حسين، وليس جيرانهم السُنّة، على فاقتهم ومعاناتهم. كما أن فيه عدداً أكبر من الجماعات المختلطة، والتزاوج كثير الحدوث فيما بينهم. غير أن حدّة النزاع الطائفي المتصاعدة هناك تعمل على تآكل وتجويف تلك الأواصر . وكما يمكن لسكان رواندا والمقيمين في البلقان أن يشهدوا آسفين، لا تشكّل الزيجات المختلطة أو التعايش الطائفي ضمانة ضد اقتتال الإخوة. فحتى الخلطة الكوزموبوليتانية من المسلمين والكروات والصرب في ساراييفو، بثقافتها الهجينية وعائلاتها المختلطة، لم تحمها قط من غائلة حروب يوغسلافيا الموغلة في الإبادة الجماعية".
وفي الوقت نفسه يؤكد الكاتب ولي نصر أن "التطرُّف السنّي يتغذّى على التحامل ضد الشيعة وحتى على العنف. ومن شأن نوبات التنافس الطائفي أن تعزّز التطرف السُنّي وتشرعن العنف الذي يؤدي ـ أقلّه في الأماكن حيث يستطيع الشيعة التصدّي له ـ إلى حلقة جهنمية من الاستفزاز والانتقام لا نهاية له".
ويبين المؤلف: "تترك السياسة الطائفية بصماتها هي الأخرى في زمن تشتد فيه، وأكثر من أي وقت مضى، السجالات حول مستقبل الديمقراطية في المنطقة. وهذه السجالات لا تدور فقط حول حقوق الأفراد، وإصلاح أنظمة الحكم غير التمثيلية، وحُكم القانون، بل تتناول كذلك الحصة النسبية لكل من السُنّة والشيعة في تشكيل وإدارة الحكومات والتحكّم بموارد الدولة. ولكي تتمكن الولايات المتحدة من إضفاء طابع الثبات على علاقاتها بالشرق الأوسط، يتعيّن عليها حُكماً أن تستثمر في الديمقراطية. غير أن هذا الاستثمار لا يُمكن أن يؤتي أكله إلا إذا وسَعت وعمّقت صلاتها داخل المنطقة وتجاوزت بها حفنة صغيرة من الحكّام المتسلّطين لتشمل قطاعاً أعرض من سكّان المنطقة. وهذا ما يعني بالضرورة التعاطي بشكل أوسع وأعمق مع الشيعة؛ وهو درسٌ فرض نفسه بقوة بعد سقوط نظام طالبان في أفغانستان. فبناء الديمقراطية في ذلك البلد متعذر التحقيق من دون إدخال الشيعة في صُلب العملية السياسية. إن الشيعة الأفغان يشكّلون خُمس تعداد السكان، لكنهم مهمّشون تقليدياً من جانب البشتون السُنّة المهيمنين على مقدرات البلاد، لديهم معظم الحظوظ في للإفادة من الديمقراطية. فسقوط طالبان لم يحرّرهم من الطغيان الديني فحسب، بل وأعطتهم التحوّلات التي أعقبت الحرب فرصةً للتعبير عن رأيهم في مستقبل أفغانستان أيضاً، ما دام قد تمّ الاعتراف بوجودهم وحقوقهم لأول مرة في دستور البلاد الجديد".
الاستبداد السياسي والتطرف الديني
ويسلط الباحث ولي نصر الضوء على تبادل المنفعة والتخادم الموجود بين الاستبداد السياسي والتطرف الديني وتداعيات ذلك على حرية الشعوب وفاههم ومستقبلهم فيقول: "إن آلام الشرق الأوسط الطائفية لا يُمكن فصلها عن المعضلات الأكبر، السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تلمّ بالمنطقة. لقد فشلت الديكتاتوريات في بناء أنظمة سياسية جامعة، تتم فيها المشاركة في السلطة ويكون للجميع مكانهم على الطاولة. وجاء الركود الاقتصادي وسوء الإدارة ليزيدا في الطين بلّة. إن انبعاث النزاع الشيعي ـ السُنّي مجدداً إنما يستمدّ نسغه من القلق المقيم في قلب الحياة السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط؛ تلك الحياة التي يطالها الفساد بجُزئها الأكبر من جراء العجز والرفض الدائمين للتفاوض على السلطة بالوسائل السلمية ومن خلال القنوات الاعتيادية. وهكذا، من الصعوبة بمكان أن يقع في الشرق الأوسط تغيير للنظام "رشيق وسلس" على حد وصف المهندسين، كنقيض للتغيير الآخر "الجائحي"، أي المفاجئ والعنيف. قد يكون للتاريخ واللاهوت يدٌ في صوغ الهويات المتنافسة فيما بينها، لكن العِظام الفعلية للمنافسة ليست هي الأفكار الدينية بقدر ما هي أمور تتعلّق بالسلطة الحسّية والثروة المادّية اللتين يتمّ التصدّق بهما على أسس طائفية. لن يهنأ الشرق الأوسط بالسلام والاستقرار إلا إذا عكس توزيع السلطة والثروة حجم الطوائف الحقيقي، واحتضن النظام السياسي الجميع دونما استثناء، ووفَّر الوسائل لحل المنازعات الناشئة والمتوارثة سلمياً. ومتى استنفذت النزاعات والصراعات المنفلتة من عقالها أغراضها فعلاً، ستوصل السواد الأعظم من السُنّة والشيعة إلى ترتيب نظام سياسي يُمكنهم جميعاً أن يتشاركوا فيه ـ لا أن تهيمن طائفة على أخرى دينياً وسياسياً ـ نظام يُمثّل مطامح وتطلّعات كل فرد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية".
الكاتب يتحدث عن كتابه
الكتاب يبدو للوهلة الأولى وكأنه يتحدث عن حرب تحرير العراق من حكم الطاغية صدام لكنه كتاب يستعرض محطات مهمة عن هذه الحرب التاريخية التغييرية والمفصلية التجديدية، كما أنه يستظهر من بطون التاريخ قضايا تتعلق بأوليات الصراع الديني في المنطقة، ويرسم رؤيته المستقبلية لذلك كله، يقول الباحث ولي نصر عن كتابه: "هذا الكتاب ليس عن الحرب في العراق، بل هو عن الصراعات التي فجّرتها الحرب هناك، وعن تداعياتها، وكيف سترسم تلك الصراعات صورة المستقبل. وغايتي منه هي أن أشرح للقارئ لماذا يوجد نزاع بين السُنّة والشيعة، وما الذي دفعه إلى البروز أكثر في الآونة الأخيرة، وماذا سيعني هذا النزاع بالنسبة لمستقبل الشرق الأوسط وعلاقة العالم الإسلامي بالغرب على حد سواء. سيجد القارئ بين دفتيه الشيء الكثير عن الإسلام والتاريخ الإسلامي، والمزيد عمّا يعنيه ذلك لمن يدينون بهذا الدين. وإنه لمن المتعذر الكتابة عن تلك المسائل من دون التطرق أيضاً إلى موضوع اكتسب أهمية خطيرة في نظر الغرب خلال العقود الأخيرة، وأعني به: علاقة الإسلام المعقّدة، وغير المنفصمة على ما يبدو بالسياسة".
وحول أهمية الكتاب للغرب يقول: "في نظر الغربيين السياسة الإسلامية تحدّدها أساساً القيم الإسلامية فالسياسة قد تبحث عن الحقيقة في الكتب الدينية، لكنها تفعل ذلك دائماً من ضمن سياقٍ ليس هو بالديني المحض. والناس يقرؤون ويفهمون ويؤوّلون مصادرهم من المعاني المقدسة في ارتباطٍ وثيق بالآمال والمخاوف التي تكتنف حياتهم اليومية. لذلك، من غير الجائز التحدّث دوماً عن واقع إسلامي واحد، فما بالك عن واقع شيعي أو واقع سُنّي واحد. إن التديُّن والسياسة عند الشيعة والسنة على السواء تشكّلهما وتقولبهما خصائص الحياة وتفاصيلها في مجتمعات بالغة التنوّع والمغايرة كالمجتمع الهندي والإيراني والسعودي. وهذه البيئات، على ما هي عليه من اختلاف كبير، جاءت بالحرب العراقية لتغيِّرها جميعاً".
ويشير الى الباحث ولي نصر الى إن الكتاب ليس عملاً من أعمال البحث الأكاديمي في التاريخ، بل يقوم إسهامه أساساً في الأفكار والحُجج الجديدة التي يسوقها للتوصل الى فهم سليم للعالم الإسلامي ولتاريخ الشرق الأوسط السياسي. ويقول: "لقد وضعت هذا الكتاب وفي ذهني جمهور القرّاء العام، لذلك تجنّبت الطريقة المألوفة في النقل الحرفي للشواهد أو الإكثار من الحواشي، على ما هو شائع في الأعمال الأكاديمية. وفي الإحالة الى الأسماء أو العبارات الأجنبية، عمدت الى استخدام صيغة صوتية مبسطة هي قرب ما تكون الى طريقة لفظها بالعربية والفارسية أو الأردية، تبعاً لورودها في سياق الكلام. أما الهوامش، المثبتة في آخر الكتاب، فالغرض منها بالأساس هو تزويد القارئ بمرجع يعود إليه لمعلومة أخّاذة او اقتباس لفت نظره. وأخيرا، إشارة الى أن النصوص هي من ترجمتي شخصيا ما لم يذكر خلاف ذلك".
انتماء ولكن!
في كتابه (صحوة الشيعة) يتناول الباحث ولي نصر طبيعة انتماء أو تدين الشيعة الذين انخرطوا في الجامعات العلمانية للحصول على الشهادات الأكاديمية، وفي الوقت نفسه، التأثيرات المتبادلة بين الانتماءات فيقول: "إن صعود الدولة الحديثة حمل في طياته تبدّلاً في بُنية المجمع الشيعي وذلك من خلال تفكيك الروابط التي كانت فيما مضى تشدّ الكثرة الكاثرة من الشيعة شدّاً محكماً إلى طائفتهم وزعمائهم. فقد اتجه الشيعة من الطبقتين الوسطى والعالية إلى تحصيل العلم في المدارس العلمانية سواء في الغرب أم داخل الوطن، ضمن معاهد أنشأتها الإرساليات التبشيرية الأوروبية، مثل كلية كينيرد أو كلية فورمان المسيحية في لاهور، وكلية بغداد، وجامعة طهران الأميركية، والجامعة الأميركية في بيروت، ولاحقاً في تلك المعاهد التي تأخذ بالنُظُم التربوية الحديثة في بلادهم. وهكذا صار البعض منهم علمانياً في نمط عيشه أيضاً، أو اعتنق المذهب السُنّي من أجل تسهيل حركة الترقّي غلى الوظائف العُليا، بالطريقة التي قد يتحوَّل بها مواطن معمداني من الجنوب إلى أسقفي في بعض المحافل من المجتمع الأميركي، وآخرون افتُتنوا بالأصولية السُنّية التي كانت تكسب المزيد من الأنصار، فضلاً عن تعزّز مكانتها سياسياً ودينياً على حد سواء. خذوا باكستان في سبعينيات القرن العشرين وأذربيجان في تسعينيات القرن عينه مثلاً، كان التشيع هُناك يُرى على أنه هامد سياسياً ويحفل على نحو مفرط بأمور العبادات والطقوس. وعلى النقيض منه، كانت الكفاحية السُنّية تُميِّل صورة بطولية مشرّفة، إذ كانت تبدو طهرانية، ديناميكية وملتزمة سياسياً. فشعر العديد من الشباب الشيعي الناهض بما لهذه الصورة من جاذبية سحرية، فانقلب سنّياً أو شرع على الأقل يُمارس التشيُّع كما لو كان سنّياً."
وفي معرض تناوله موقف القومية العربية الاتهامي والتخويني لأتباع أهل البيت (سلام الله عليهم)، يقول الكاتب ولي نصر: "إذن، تُضمر تحيّزاً متأصلاً ضد الشيعة. والشيعة، وإنْ كانت لفتهم الأم هي العربية، فإنهم ليسوا بحكم هذه الواقعة أعضاء متساوين في الأمة العربية. إن قوة الجاذبية الطائفية لشديدة حقاً، والشيعة إنما يُحسبون من الدُخلاء بمعنى ما ممّن لا يُمكن الركون غليهم؛ فكانوا بذلك (عرب الدرجة الثانية). فمهما تحمّس هؤلاء للانتماء إلى حزب البعث على ضفاف دجلة والفرات، أو أنشدوا المدائح لعبد الناصر على ضفاف النيل، أو حاربوا من أجل القضية الفلسطينية على ضفاف الأردن، فإن دماء ودموع وعَرَق الشيعة في سبيل القضية العربية قد تكون مُرحباً بها أو منتظرة منهم، لكنها لا تعطيهم حقوقاً متساوية حتى ولو على سبيل البدل لقاء مثل تلك التضحيات".
التيارات التكفيرية
لم ينحصر رفض التشيُّع فقط في ذلك الضرب من الفكر المتزمت الذي دعا إليه ابن تيمية، فقد وجد الشيعة عند المصلحين الدينيين السُنّة الآخرين تصلباً مماثلاً في نقضهم للتشيُّع. إن الحركات الإصلاحية التي ظهرت في العالم السنّي ابتداءاً من القرن السابع عشر فصاعداً، وأجدرها بالذكر حركة محمد بن عبد الوهاب (ت 1792)، عرّجت كلها على إدانة ابن تيمية للتشيُّع والنهل منها إنما هذه المرة كجزء من وصفاتهم لإصلاح الإسلام وإحيائه، بل وقلب انحطاطه التدريجي نهوضاً في القوة والوزن كحضارة عالمية. يقول الباحث ولي نصر: "ظهرت الوهابية في شبه الجزيرة العربية خلال القرن الثامن عشر كحركة إصلاحية تُنادي بـ(العودة إلى جذور الإسلام). وكانت قاعدة قوتها في الواحات التي تتخلل الفيافي القاحلة في صحراء نجد، المنطقة السهلية المرتفعة وسط البلاد والتي هي أيضاً موطن آل سعود، الأسرة الحاكمة للملكة العربية السعودية الحالية. كان محمد بن عبد الوهاب طهرانياً متزمتاً، وعكست عقيدته بساطة عيش رجال القبائل الصحراويين في نجد، السكّان الاصليين لما كانت في ذلك الحين منطقة طَرَفية في العالم الإسلامي. وقد سعى إلى تطهير الأإسلام من كل الممارسات الثقافية التي سبق له أن استعارها أو هضمها على مرّ القرون؛ هذه التي أفسدت الإسلام وأوهنته على حد قوله، ولا بد بالتالي من التخلّص منها. وأسوة بابن تيمية، أنكر محمد بن عبد الوهاب أي شيء آخر سوى قراءة القرآن والحديث النبوي قراءة حرفية. كما رفضت الوهابية فكرة وجود أية سلطة وسيطة ما بين الإنسان وربّه معتبرة إيّاها فكرة تتنافى وجوهر الإسلام الأصلي. حتى النبي محمد نفسه كانت تراه الوهابية مجرد رسول من عند الله، وإنساناً كسائر بني البشر، ولا يستحق من ثم أي تقديس مخصوص. في العام 1804، اندفع رجال محمد بن عبد الوهاب فجأة من قلب الصحراء نحو المدينة المقدسة (المدينة)، حيث قدّموا عرضاً من عروض تعصّبهم الشديد بتحطيمهم بلاطة ضريح النبي كي يُوقفوا إخوانهم المسلمين عن (عبادته).
ويستعرض الكتاب مشاهد تاريخية للحروب المتوحشة التي مارستها عصابات الوهابية المدعومة من قبل السلطة السعودية على الأضرحة والمقامات المقدسة لأهل البيت (سلام الله عليهم) والأولياء والعلماء، يقول نصر: "أدان الوهابيون تقديس الأولياء والتردد على مزاراتهم بوصفه عملاً من أعمال الشرك، ورأوا في المسلمين الذين يقومون بمثل هذا العمل قوماً ضالّين. وقبل أن يضعوا عينهم على مسجد الرسول [ في المدينة]، كان الوهابيون قد اجتاحوا كربلاء عام 1802، وانتهكوا حُرمة مقام الإمام الحسين ـ وهو حدث ترك علامة لا تمحى في ذاكرة الشيعة التاريخية. وقد صاحبت الاكتساح الوهابي لشبه الجزيرة العربية أعمال عنفٍ ضد الشيعة. ففي عام 1913، قام "جيش الإخوان" بقيادة الزعيم الوهابي (ولاحقاً الملك الأول للمملكة العربية السعودية) عبد العزيز بن سعود باجتياح منطقة الإحساء الشيعية وحاول فرض المذهب الوهابي بالقوة على سكّانها. وفي العام 1925، عاثت قوات ابن سعود تخريباً في "جنّات البقيع" في المدينة حيث دُفنت ابنة النبي فاطمة والأئمة الثاني والرابع والخامس والسادس للشيعة. ولا يزال الحجّاج الشيعة إلى يومنا هذا ينسلّون خفية إلى حيث كانت "جنات البقيع" للدعاء والابتهال ـ هذا إذا تمكّنوا من تفادي نبابيت شرطة الأخلاق السعودية (المطوِّعين) المرهوبي الجانب. وإثر اجتياحهم الإحساء، دعا الإخوان إلى الجهاد ضد الشيعة، طالبين من ابن سعود إما أن "يهديهم" (إلى مذهب أهل السُنّة) أو يجيز قتلهم. تردد ابن سعود، لكن الإخوان كثيراً ما كانوا يأخذون الأمور بأيديهم؛ ففي ثورة من العنف البالغ، أقدموا في عام 1926 على قطع رؤوس عدد غفير من الشيعة بالسيوف . وإراقة الدماء هذه حملت ابن سعود على كبح جماح الإخوانن خاصةً وأن انتباهه كله كان منصبّاً في ذلك الحين على بناء دولته. إنه لن يسمح بوقوع مذبحة جماعية، لكن الشيعة كانوا قد ذاقوا فعلاً أسوأ ما في الوهابية. ومع تبلور معالم الدولة السعودية في ثلاثينيات القرن العشرين، جرى تهميش الشيعة بصورة ممنهجة، كما تمّ تجريدهم من أي دور لهم في الشأن العام. لقد تسامحت الدولة الوهابية معهم، أجل لكنها لم تقبلهم كما هم؛ فكانوا الأقلية غير المرغوب فيها؛ الأقلية الوثنية".
ويبين الباحث ولي نصر: "هذا ولا تزال الضغينة المستحكمة بين الوهابيين والشيعة تصبغ إلى الآن مواقف كل طرف تجاه الطرف الآخر. منذ عقد السبعينيات من القرن العشرين، اكتسبت الوهابية نفوذاً متعاظماً في كل أرجاء العالم الإسلامي وأضحت بمثابة قوة الدفع الأيديولوجية خلف الحركات السلفية، وغدت نوازع الصراع الشيعي ـ السنّي أشدّ مضاءً من ذي قبل. وبالوسع القول في جميع الأحوال إن العنف المتزايد الذي يطبع الصراع الشيعي ـ السنّي في السنوات الأخيرة إنما ينبع من انتشار النفوذ الوهابي. الطالبان في أفغانستان والجهاديون في كشمير، كلاهما يعودان بأصولهما إلى العُنصر المناهض للاستعمار لدى السُنّة الذي نما وتطوّر في الهند تحت الحُكم البريطاني ومن باب رد الفعل على فترة زمنية وجيزة من الصعود الشيعي هناك. في بحر القرن الثامن شعر، اكتسب التشيُّع شيئاً من القوة طرداً مع الوهن المتزايد في أوصال أمبراطورية المغول. التحوّل في حظوظ الشيعة هذا انعكس في قرار الأمبراطور بهادور شاه استقدام الممارسات الشيعية إلى بلاطه في دلهي مطلع العقد الأول من القرن الثمن عشر. والاتجاه عينه كان بعدُ أكثر جلاءً في الممالك الأصغر التي كانت قد بدأت بالظهور نفي ما كانت حتى ذلك الحين أراضي تابعة للأمبراطورية المغولية. فإمارة أودة التي ظهرت في عشرينيات القرن الثامن عشر، وإمارة البنغال التي خرجت إلى الوجود في وقت لاحق، كانتا تدينان لأمراء من الشيعة يُعرفون بـ(النَوَاب). وفي جنوب الهند، كانت أكبر دولة إماراتية، ألا وهي حيدر أباد شاهي، يحكمها (نظام) سنّي (هكذا كان يُدعى الأمير الحاكم لحيدر أباد)، لكنها على العموم كانت منطقة أكثرية سكّانها من الشيعة. وكان المشهد السياسي والثقافي الغني في بلاط حيدر أباد يطغى عليه النبلاء ورجال الحاشية والكتبة والشعراء الفرس (أعاد وليام دالريمبل وعلى نحو نابض بالحيوية بناء الحياة والزمن كما كانا في أواخر القرن الثامن عشر في حيدر أباد، وذلك في كتابه الصادر عام 2002 بعنوان (المغول البيض)، والمتمحور حول قصة حب رومانسية بين المقيم البريطاني وأميرة فارسية. والنفوذ الشيعي كان أيضاً ملموساً في بلاطَيْ ميسور ومدارس. فكان الأمراء الشيعة فيهما يشملون برعايتهم علماء الدين الشيعة ويشجعونهم على الدخول في سجالات فقهية مع نظرائهم السُنّة. كذلك كان هؤلاء الأمراء يؤمِّنون الموارد المالية اللازمة للمعاهد الدينية الشيعية ولا يبخلون بأي عون لنشر الثقافة الشيعية. وبفضل الأموال الملكية والرعاية الكامنة خلفها، بدأت بعض الممارسات الشيعية كعاشوراء تصبح مناسبات عامّة كبرى. كانت أودة قد برزت بصفتها الحاضرة المجلّية للثقافة والفنون والدراسات الدينية الشيعية في شمال الهند. ومن هنا، تُعتبر مدينة لُكنو الهندية الثانية بلا جدال بعد أصفهان بإيران كواجهة عرض زاهية للفنون والعمارة الشيعية.
العراق والشيعة
لا شك بأن التغييرات التي حدثت في العراق والتي انطلقت من لحظة إسقاط نظام الطاغية صدام كان لها تأثيرات تاريخية لم ولن تكتفي بتغيير حاضر مأزوم بل إنها تأثيرات ونتائج ترسم مستقبلاً مغايراً لما خططت له أكثر من ألف سنة قد مضت، يقول الباحث نصر: "على مستوى التحليل الجوهري، تشير الصحوة الشيعية إلى اتفاق في الرأي بين الحكومات والحركات الشيعية، مؤداه أن المكاسب المحقَّقة في العراق لا بد من صونها وترسيخها فالنتيجة المتحصّلة من الحرب قد عادت بالنفع على الشيعة في كل المنطقة وليس على شيعة العراق وحدهم. غير أن الصحوة الشيعية لا تعني بأي حال قدوم ما يُرادف "الجامعة الشيعية"، وإن كان لها عدة مفاعيل واستتباعات ضمنية: أولها، أن روابط ثقافية ودينية أمتن سوف تستمر في التشكّل بين شتّى التجمعات الشيعية في المنطقة، وأن إجماعاً سوف يتعزّز حول الحاجة إلى الدفاع عن قوتهم السياسية؛ ثانيها، أن مثال العراق سوف يُمارس "تأثيراً بالبيِّنة" على التجمعات الشيعية خارج العراق لتبدأ بالمُطالبة بأن يكون لها صوت أعلى في إدارة الحُكم داخل بلدانها؛ وثالثها، أن هذه المكتسبات على صعيد القوة والجزم سوف تعزّز الأواصر الثقافية والدينية بين الشيعة، وتلك الأواصر سوف تعمل بدورها على استدامة المكتسبات التي حقّقوها على صعيدي القوة والنفوذ. إن الصحوة الشيعية غير مقترنة بأي شكل مفرد من أشكال الحُكم فهي لا تدل لا على انتشار جمهوريات إسلامية من النمط الإيراني، ولا على احتمال أن يُصبح العراق نموذجاً سياسياً للحُكم في البحرين أو لبنان. فأهمية العراق لا تكمن في المسائل التفصيلية للحُكم، بقدر ما تكمن في العبرة المُستفادة، وهي أن الشيعة قادرون على المُطالبة بالمزيد وفي وسعهم الحصول عليه. لقد أطلق العراق تفاعلاً متسلسلاً، وهذا التفاعل سيشغل على نحو مغاير في لبنان والبحرين والمملكة العربية السعودية. لكن الحصيلة الإجمالية ستكون من دون أدنى شك قوة شيعية أكبر ومزيداً من الصلات الثقافية والعُرى الدينية الظاهرة بجلاء على امتداد الهلال المُمتد من لبنان إلى باكستان. لقد رحّب الشيعة سواء بانهيار الهيمنة السُنّية أم بارتفاع احتمالات التغيير السياسي، لعلمهم بأن ذلك سيعود عليهم بالمزيد من الحقوق والسلطات في ظل النظام الجديد الناشئ. وهذا ما جعلهم من حيث المبدأ أكثر استعداداً للعمل مع الولايات المتحدة. إن جرعة أكبر من الديمقراطية تخدم ولا شك مصالح الشيعة في المنطقة، ومن هنا نجد الصحوة الشيعية ميّالة حُكماً إلى تزكية التحوّلات الديمقراطية. إن عالم الخطاب الشيعي هو الآن مسرح لسجالات شيّقة وشاملة يُشارك فيها العالم الإسلامي بأسره حول علاقة الإسلام بالديمقراطية والتنمية الاقتصادية، وبالقطع حول موقف الإسلام من الحداثة. ففي لبنان والعراق وإيران، حيث يقيم الشيعة بكثافة لافتة، نرى الخطاب والسجال السياسي الشيعي مهتماً بالحداثة والديمقراطية اهتماماً أكبر منه في البلدان ذات السيطرة السُنّية. بعبارة أخرى، إن الشيعة هم قوة ديمقراطية موضوعية وذاتية في آن فصعودهم في معارج القوة النسبية إنما يضخّ عنصراً منشِّطاً من التعدّدية الحقيقة إلى الحياة السياسية المُهيمن عليها سُنياً أكثر من اللازم في العالم الإسلامي. كما أن العديد من الشيعة يجدون الديمقراطية جذّابة كفكرة في حدّ ذاتها، وليس فقط كمطيّة نافعة ظرفياً لسؤددهم وطموحهم".
ختاماً...
كان لتحرير العراق عام 2003 بداية لمد شيعي جديد بعد بروز نمط قيادة شيعية قننت وعقلنت الدور السياسي للحوزة الشيعية، وتسلك طريق الحكمة والاعتدال، تبتعد عن الراديكالية والشعبوية، يقول الباحث نصر: "على مستوى التحليل الجوهري يجد المؤلف أن الصحوة الشيعية تشير إلى اتفاق في الرأي بين الحكومات والحركات الشيعية مؤداه أن المكاسب المحققة في العراق لا بد من صونها وترسيخها. فالنتيجة الحاصلة من الحرب قد عادت بالنفع على الشيعة في كل المنطقة لا في العراق وحده، غير أن الصحوة الشيعية لا تعني بأي حال قدوم ما يرادف "الجامعة الشيعية"، وإن كان لها مفاعيل واستتباعات ضمنية:
أولها، أن روابط ثقافية ودينية أمتن سوف تستمر في التشكل بين شتى التجمعات الشيعية في المنطقة، وأن إجماعا سوف يتعزز حول الحاجة إلى الدفاع عن قوة الشيعة السياسية.
وثانيها، أن مثال العراق سوف يمارس "تأثيرا بالبيئة" على التجمعات الشيعية خارج العراق لتبدأ بالمطالبة بأن يكون لها صوت أعلى في إدارة الحكم داخل بلدانها.
وثالثها، أن هذه المكتسبات على صعيد القوة والجزم سوف تعزز بدورها استدامة المكتسبات التي حققوها على صعيد القوة والنفوذ.
لقد أطلق العراق تفاعلاً متسلسلاً، وهذا التفاعل سيشتغل على نحو مغاير في لبنان والبحرين والسعودية، لكن المحصلة الإجمالية ستكون قوة شيعية أكبر ومزيداً من الصلات الثقافية الظاهرة بجلاء على امتداد الهلال الممتد من لبنان إلى باكستان".
آراء في الكتاب:
* كارين آرمسترونغ - مؤلفة (موجز تاريخ الإسلام):
"كتاب ملؤه البراعة والوضوح وسعة الاطلاع قراءته لا غنى عنها لأي شخص يروم فهم واستيعاب ملابسات الصراع المأساوي الحالي في الشرق الأوسط.
* جوزيف نيي الابن - أستاذ في جامعة هارفرد، ومؤلف كتاب (وسيلة النجاح في السياسة الدولية):
"صحوة الشيعة، ذخيرة قيمة من المعلومات والتحليلات... إن قراءته ضرورة لازمة لكل معني بسياسة أميركا الخارجية في الوقت الحاضر.
* جون ل. أسبوزيتو - أستاذ مادتي الديانة والشؤون الدولية في جامعة جورج تاون، ومؤلف (الحرب غير المقدسة؛ الإرهاب باسم الإسلام):
"أحسن ما كتب حتى الآن حول التشيع في التاريخ وعن النزاع الشيعي- السني الراهن... إنه تحليل ثاقب وأخّاذ في متناول صناع القرار السياسي، والدارسين، والطلاب، وغير المختصين على حد سواء"
* كنيث م. بولاك - مدير الأبحاث في مركز صبان لسياسات الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكنغز، ومؤلف (الأحجية الفارسية؛ النزاع بين إيران وأميركا):
"نص ينير الأذهان ويستثير الأفكار حقاً. "صحوة الشيعة" كتاب على قدر عظيم من الأهمية للعالم الخبير كما للقارئ العادي... كتاب نابض بالحيوية، مقدام ومستفز، حريّ بالجميع ألا يفوتوه".
ملاحظة: ليس المهم أن يتحدث الكاتب بما ينسجم مع جميع قناعتنا لكن من المهم أن نستمع لوجهة نظره. فالحكمة ضالة المؤمن
 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات