عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

الإسلام السياسي صوت الربيع العربي

أرسل إلى صديق طباعة PDF


الخصوصية الحضارية كمدخل لتوطين لحداثة
تصدير.. من وحي الأحداث
فرض الربيع العربي –الذي ما زالت أحداثه جارية- معادلة سياسية جديدة؛ لم يكن أكبر المنظرين و المحللين بقادرين على افتراضها حتى؛ و خصوصا أولئك الذين أقاموا استراتيجيات كاملة؛ على أساس محاولة استئصال كل المظاهر الإسلامية من الحياة الفكرية و السياسية العربية؛ تحت مسمى (العلمانية ) و (الاشتراكية)؛ هذه النظريات الفكرية و السياسية؛ التي لم تتجاوز في الفضاء العربي/الإسلامي يوما؛ حيز الشعارات الجوفاء.
و تقوم هذه المعادلة على أساس فكري و سياسي جديد/قديم؛ تحكمت فيه إلى أبعد الحدود؛ حركات الإسلام السياسي؛ التي ظهرت خلال المرحلة السابقة؛ كرد فعل على صعود أنظمة سياسية تسلطية؛ وصلت إلى السلطة –في غالبيتها- عبر انقلابات عسكرية؛ و حاولت استغلال قيم الفكر السياسي الحديث (الديمقراطية؛ العلمانية ...) لتبرير تحكمها في السلطة بطرق غير مشروعة .
ضمن هذا السياق التاريخي؛ ظهرت حركات الإسلام السياسي على الساحة السياسية العربية؛ حاملة لمشروع فكري و سياسي؛ استمد مشروعيته؛ في البداية؛ من مناهضته للواقع السياسي و الفكري؛ الذي فرضته الأنظمة السياسية الحاكمة؛ إما في علاقة بالأجندة الغربية التي خلفها الاستعمار قريب العهد بالانسحاب؛ و إما في علاقة بالانتماء القومي الذي تحول إلى مشروع سياسي بطابع علمانوي أو يساروي؛ كان يسعى إلى فصل العروبة عن الإسلام؛ و انتزاع الشعوب العربية من امتدادها الحضاري العميق .
و إذا كانت حركات الإسلام السياسي؛ قد جاءت كرد فعل على وضع سياسي مأزوم؛ فإنها جاءت في نفس الوقت؛ للمساهمة في تحقيق استمرارية المشروع النهضوي العربي؛ الذي استمد رؤيته الفكرية و السياسية؛ من تجذره في التربة الإسلامية؛ سواء تعلق الأمر بالتيار السلفي أو بالتيار الليبرالي؛ و ذلك رغم الهفوات الكبيرة التي سقطت فيها حركات الإسلام السياسي؛ و هي تحاول استلهام النموذج النهضوي فكريا و سياسيا .
و كنتيجة لتضافر مجموع هذه العوامل؛ يمكن أن نتحدث؛ اليوم؛ على إيقاع المد الثوري العربي؛ عن اكتساح شامل لحركات الإسلام السياسي للمجال؛ البداية تتأسس في تونس؛ التي كانت سباقة لإطلاق الثورة العربية ضد التسلط و الاستبداد؛ و ذلك مع حركة النهضة؛ التي يبدو أنها ستقود المشهد السياسي التونسي؛ أولا من خلال وضع دستور البلاد؛ و ثانيا من خلال قيادة الحكومة. و جميع المؤشرات تؤكد أن النموذج التونسي؛ هو الذي سيتكرر في مصر و في ليبيا و مستقبلا في سوريا. و تستمد حركات الإسلام السياسي قوتها؛ اليوم؛ من معطيين أساسيين:
المعطى الأول؛ يرتبط بفعاليتها النضالية؛ التي ترجمتها عبر الحضور الجماهيري الكبير في (ساحات التغيير/التحرير)؛ و هي بذلك تستفيد من تاريخها الطويل في مواجهة الأنظمة الاستبدادية الحاكمة؛ و تسعى إلى استثمار اللحظة الثورية؛ للمساهمة في إسقاط هذه الأنظمة؛ ليفسح أمامها المجال لتجسيد مشروعها السياسي على أرض الواقع .
المعطى الثاني؛ يرتبط بنجاح النموذج الإسلامي التركي؛ في التوفيق بين الخصوصية الإسلامية و الحداثة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية؛ و لذلك فإن حركات الإسلام السياسي في العالم العربي تقدم نفسها؛ اليوم؛ كبديل محتمل للمعادلات السياسية السائدة؛ و التي فشلت؛ على امتداد عقود من الزمن؛ في تشييد نموذج تنموي/حداثي عادل؛ تستفيد منه الدولة و يستفيد منه المجتمع. و لعل أول تجربة في تونس؛ لتؤكد هذا الطرح بوضوح؛ فجميع تصريحات قياديي حركة النهضة الإسلامية؛ تسير في اتجاه التوفيق بين الخصوصية الإسلامية و الحداثة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية .
و سواء فيما يخص المعطى الأول؛ أو فيما يخص المعطى الثاني؛ فإن الربيع العربي؛ يكون قد نجح –بامتياز- في قلب المعادلات السياسية التي كانت سائدة لعهد قريب؛ و التي كان الرهان عليها كبيرا من طرف صناع القرار الغربيين؛ باعتبارها المعادلات الملائمة لخدمة أجندتهم في المنطقة العربية؛ اقتصاديا و سياسيا. لكن رياح الثورة العربية؛ يبدو أنها تجري بما لا تشتهيه سفن قوى الاستعمار الجديد؛ لأنها ستحمل إلى السلطة فاعلين سياسيين جدد؛ طالما حاربهم الغرب باعتبارهم يشكلون خطرا على مصالحه الاقتصادية و السياسية؛ و ذلك ضمن إستراتيجية متكاملة الأبعاد؛ تقوم على ادعاء (محاربة الإرهاب) !!!
الخصوصية الحضارية في مواجهة التحديث الكولونيالي المعاق .. الإسلام السياسي صوت الجنوب
يحيل الجزء الثاني من العنوان؛ بداية؛ على دراسة للباحث السياسي الفرنسي (فرانسوا بورغا) و التي تحمل عنوان : (L’islamisme Au Maghreb – La Voix du sud)(1) و التي حملت في ترجمتها العربية عنوان : (الإسلام السياسي صوت الجنوب) (2) و هي دراسة –يؤكد المفكر نصر حامد أبو زيد- في تقديمه للترجمة العربية؛ رغم أنها تركز على التجربة الإسلامية في المغرب العربي؛ فإن هذه التجربة تتمتع بخصائص متشابهة في كل أنحاء العالم العربي و الإسلامي. (3)
و تعتبر هذه الدراسة التي صدرت عن دار Karthala للنشر سنة 1988 و توالت طبعاتها و ترجماتها المتعددة فيما بعد؛ تعتبر أول دراسة غربية حول ظاهرة الإسلام السياسي في العالم العربي؛ تتمتع بدرجة من الموضوعية؛ قد لا تكون متاحة بنفس القدر من الوضوح للباحث العربي المسلم؛ سواء كان هذا الأخير متعاطفا مع الظاهرة أم كان معارضا لها.
و تكمن أهمية الكتاب –حسب نصر حامد أبي زيد- في تعامله مع الظاهرة الإسلامية؛ باعتبارها محصلة طبيعية ناشئة عن مناهضة الاستعمار أولا؛ و متطورة عن فشل الخطاب النهضوي القومي ثانيا. و لذلك فإن هذا التحليل يعطي للظاهرة؛ عمقها الطبيعي في بنية الخطاب العربي من جهة؛ و في آليات المقاومة الاجتماعية و السياسية ثانيا.(4)
و ضمن هذا السياق التاريخي؛ الذي تنتمي إليه حركات الإسلام السياسي؛ فإن (فرانسوا بورغا) ينتهي في كتابه إلى نتيجة؛ في غاية الأهمية تدحض –عبر التحليل المنهجي- الأطروحة التي تروجها بعض حركات الإسلام السياسي عن نفسها؛ و يروجها عنها بعض المحللين و المراقبين و الخصوم الإيديولوجيين-بتوظيف مختلف- هذه الأطروحة التي تربط بين الإسلام كدين؛ و حركات الإسلام السياسي كحركات سياسية .
إن الإسلام التاريخي المدون في النصوص المقدسة –حسب فرانسوا بورغا- ليس وحده المولد لظاهرة الإسلام السياسي؛ بل الظاهرة متولدة عن واقع مركب و معقد. إن اعتماد شفرة الإسلام في خطاب الإسلام السياسي؛ هي عملية تتم على مستوى اللغة؛ لمناهضة شفرة أخرى غربية استعمارية أساسا؛ و هي شفرة قامت الأنظمة الحاكمة بإعادة إنتاجها في خطابها القومي العلماني. و إذا كان الصراع يدور على مستوى الشفرة –في مستوى الخطاب- لمناهضة الاستعمار الغربي من جهة؛ و لمناهضة القومية العلمانية التابعة له من جهة أخرى؛ فالإسلام في هذه الحالة مجرد هوية يتسلح بها الإسلام السياسي؛ هوية تتجاوز العقيدة و تعلو عليها. (5)
و لكي يوضح (فرانسوا بورغا) صراع الشفرات هذا بشكل أوضح؛ فهو يلجأ إلى رسم صورة موجزة عن المجال الثقافي و السياسي؛ الذي نشأت فيه ظاهرة الإسلام السياسي؛ و هو مجال ارتبط بنموذج من التحديث المعاق؛ الذي مارسته الأنظمة السياسية التي تقلدت الحكم بعد انسحاب الاستعمار؛ فقد تطور نمط من التحديث بطريقة أسرع بكثير من ذلك التحديث الذي حاول أن يفرضه المستعمر من قبل؛ فقامت عدة أنظمة في اليوم التالي للاستقلال – معتمدة على قوتها النابعة من شرعيتها التي تستمدها من إنجازاتها في التحرير الوطني- بتبني مجموعة من التشريعات؛ زعزعت إلى حد كبير مكانة بعض المؤسسات (مثل القضاء و الجامعات)؛ و هي مؤسسات لم يجرؤ الاستعمار نفسه على المساس بها . و هكذا لم يتورع بورقيبة عن إنهاء اثني عشر قرنا من التقاليد الجامعية عندما أغلق جامعة الزيتونة الشهيرة؛ و يضيف (فرانسوا بورغا) نماذج أخرى (كاريكاتورية) لهذا النموذج التحديثي المعاق و المدوخ ببخور إيديولوجيا الاغتراب؛ حينما يرسم صورة لأتاتورك و هو يشنق أولئك الثائرين الذين يتشبثون بالطربوش؛ بينما يقوم عبد الناصر بمطاردة أمثالهم من الذين يرفضون التخلص من رموز و شفرات الثقافة التقليدية؛ و يطلب شاه إيران قص اللحى و حرق زي الحجاب !!! (6)
و يفسر (فرانسوا بورغا) إقدام الأنظمة الحاكمة على هذه النماذج من التحديث الكاريكاتوري المعاق؛ برغبة الجنوب في الوصول بطريقة أسرع إلى "الوليمة التكنولوجية الكبرى" و لذلك فقد ألقى بقوانينه و عاداته و لغته و أغانيه؛ بل وبملابسه... و أكثر من أي وقت سبق أصبحت اللغات الأجنبية؛ الفرنسية في المغرب العربي؛ و الإنجليزية في المشرق العربي؛ السلاح الذي يضطر أن يلجأ إليه كل من يريد أن يحقق صعودا مهنيا و اجتماعيا. (7)
و لعل هذا الوضع الثقافي و السياسي العربي المستلب من قوى الاغتراب داخليا و خارجيا؛ هو الذي كان يمهد الطريق لظهور حركات الإسلام السياسي؛ التي جاءت كرد فعل طبيعي؛ على العنف الرمزي الذي مارسته النخبة السياسية الحاكمة؛ على فئات عريضة من المجتمع؛ خصوصا و أن هذه النخبة التي تولت الحكم بعد الاستقلال؛ لم تدرج ضمن اهتماماتها معالجة ذلك التصدع الذي أصاب الذهنية الجماعية في المجتمعات العربية (..) و ذلك عندما أصبحت الشفرات الثقافية لتلك المجتمعات تحتل مكانا هامشيا. قد عملت هذه النخبة؛ على العكس من ذلك؛ على تعميق الجرح أكثر؛ حينما عملت على تحقيق استمرارية المشروع الاستعماري؛ عبر رفع شعارات التحديث؛ و بذلك كرست تهميش الشفرات الثقافية الخاصة بالمجتمعات العربية؛ و في المقابل فرضت شفرات ثقافية بديلة؛ تعتبر امتدادا للفكر الغربي؛ الذي لبس جبة الاستعمار؛ حينما عمل على اختراق البنية الاجتماعية و الثقافية للمجتمعات العربية .
هكذا –إذن- يستخلص (فرانسوا بورغا) في آخر التحليل؛ أن الإسلام السياسي؛ تعبير عن رد فعل تجاه السيطرة الثقافية الغربية؛ فالمد الإسلامي من الخليج إلى المحيط؛ و فيما أبعد من ذلك؛ في المناطق التي انتشر فيها التوسع الغربي؛ تعبير-إذن- عن إدانة لطبيعة العلاقة الثقافية التي كانت سائدة أثناء المرحلة الاستعمارية. و بذلك تصبح أرضية الإيديولوجية و الشفرات و الرموز؛ هي الإطار الذي تتم فيه محاولة إعادة التوازن في العلاقة مع "الشمال" في مرحلة ما بعد القضاء على الاستعمار. (8)
و لكي يفصل (بورغا) في هذه الخلاصة أكثر؛ فهو يلجأ إلى تطبيق مقاربة استقرائية؛ يستنتج من خلالها؛ أن الدول التي تكون فيها تيار الإسلام السياسي؛ يجمعها قاسم مشترك؛ هو أنها عانت خلال القرن الماضي (يقصد القرن التاسع عشر) من مجموعة قيم فرضها الغرب أو صدرها إليها؛ و كانت درجة هذه المعاناة تزيد أو تقل حسب نوعية الاستعمار؛ فتتدرج من حالة؛ مثل حالة الجزائر؛ إلى درجات أقل حدة؛ نظرا لقصر المدة نسبيا؛ و لتواجد عدد أقل من المستعمرين(مثل المغرب الذي كان تحت نظام الحماية ). (9)
و بناء على هذا التحليل؛ يؤكد (فرانسوا بورغا) بحدس علمي استشرافي عميق؛ قابلية الإسلام السياسي للتوازن؛ لأن بإمكانه أن يصل إلى استيعاب الشفرة الغربية التي يرفضها الآن؛ كرد فعل على محاولة طمس الشفرة الثقافية المحلية. (10) و لذلك فإن الإسلام السياسي –حسب بورغا- في تأسيس مشروعه الثقافي و السياسي؛ يحاول تحقيق التوازن للذات العربية؛ بعد أن نجح الاستعمار و أذنابه من الأنظمة السياسية المغتربة؛ في إفقاد الشعوب العربية لتوازنها الحضاري؛ عبر تحويل شفرتها الثقافية إلى الهامش؛ و مركزة شفرة ثقافية بديلة؛ تشوش على الأفق الثقافي المشترك للشعوب العربية/الإسلامية. و لعل مهمة إعادة التوازن إلى الذات الثقافية العربية؛ هي الكفيلة –حسب تصور بورغا- بتسهيل استيعاب الشفرة الثقافية الغربية؛ التي يمكنها أن تسهل مهمة التحديث السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي؛ لكن بأفق مغاير لما تم ترسيخه؛ خلال مرحلة التحديث الكاريكاتوري المعاق؛ بعد مرحلة الاستقلال.
إن رفض حركات الإسلام السياسي للفكر الديمقراطي –حسب فرانسوا بورغا- يرجع إلى الظروف التاريخية التي أدت إلى ظهوره أكثر مما يرجع إلى مضمونه؛ لأن المفارقة الحقيقية - فيما يتعلق بالمعارضة الثقافية الإسلامية- تكمن في أنها قد تنجح في تحقيق؛ ما فشل في تحقيقه العنف الاستعماري و العنف المضاد القومي؛ إذ أن العودة إلى استخدام ثقافة الأجداد قد تتمكن من التوصل –بطريقة متناقضة للغاية- إلى المصالحة بين شفرات و رموز المجتمعات التي كانت مستعمرة؛ و بين المضمون الأساسي لهذه القيم الغربية؛ تلك القيم التي لم يستطع كل من الاستعمار و النخبة التي استوعبت ثقافته؛ و التي تولت الحكم بعد الاستقلال؛ توفير الظروف الملائمة لتوظيف هذه المفردات "الغربية" و بالتالي توفير ظروف فاعليتها. (11) هكذا يفاجئنا (فرانسوا بورغا) بقراءة استشرافية؛ لا يمكن للتلقي المؤدلج و المغترب أن يستوعبها؛ و هي أن حركات الإسلام السياسي؛ تعتبر مرحلة أساسية في تاريخ الأمة العربية/الإسلامية؛ لتحقيق التوازن المفقود؛ و من دون تحقيق التوازن للذات العربية/الإسلامية؛ عبر رد الاعتبار للخصوصية الحضارية؛ التي عمل الاستعمار و أذنابه على تهميشها؛ من دون تحقيق هذا التوازن؛ لا يمكن للعالم العربي/الإسلامي أن ينجح في استيعاب مقومات الحداثة الغربية؛ لأن ذاتا لا تؤمن بقوتها و تماسكها النابعين من خصوصيتها الحضارية؛ لا يمكنها أن تدخل في تثاقف بناء و مثمر مع الآخر؛ و خصوصا إذا كان هذا الآخر يسعى إلى استلابها و استغلالها.
الحركات الإسلامية صوت الربيع العربي..
في البحث عن الخصوصية الحضارية المفقودة
إن القراءة الاستشرافية التي قدمها (فرانسوا بورغا) في وقت مبكر؛ لمشروع الحركات الإسلامية؛ هذه القراءة هي التي تتحكم؛ اليوم؛ في أحداث الربيع العربي؛ التي فرضت الإسلام السياسي كلاعب أساسي و محوري في المعادلة السياسية الجديدة؛ و من منظور الفكر السياسي الحديث؛ القائم على أساس الديمقراطية و الدولة المدنية؛ هذه القيم السياسية الحديثة التي أصبحت بمثابة البوصلة التي تقود اتجاهات الحركات الإسلامية؛ سواء بخصوص النموذج الإسلامي التركي سابقا؛ أو بخصوص النموذج الإسلامي العربي؛ الذي بدأ يتخلص من اتجاهاته السلفية النصية؛ التي تحكمت في رؤيته الفكرية و السياسية؛ لعقود؛ و بالمقابل بدأ يستفيد؛ من التجربة الإسلامية التركية؛ التي يمكن اعتبارها؛ اليوم؛ بمثابة النموذج المثالي؛ الذي يمكن أن يقتدى به في العالم العربي.
و إذا نجحت الحركات الإسلامية العربية في هذا الرهان؛ فإنها ستؤسس في العالم العربي؛ لمرحلة جديدة/قديمة مجهضة. هي مرحلة جديدة لأنها ستنجح –بالتأكيد- في حل إشكال التراث و الحداثة؛ على مستوى الممارسة السياسية؛ على شاكلة التجربة الإسلامية التركية؛ و هي مرحلة قديمة مجهضة؛ لأنها ستجدد الوصل مع تراث عصر النهضة؛ الذي تم إجهاضه على يد الانقلابيين؛ الذين استبدلوه بإيديولوجية عسكرتارية؛ مطعمة ببهارات (قومية/يساروية/علمانوية)؛ لم يجن من ورائها العالم العربي؛ سوى الخراب على جميع المستويات؛ سياسيا عبر صناعة أنظمة استبدادية تسلطية؛ و اقتصاديا عبر هيمنة اقتصاد الريع غير المنتج؛ و ثقافيا عبر ممارسة عنف رمزي غير مسبوق؛ حتى مع الاستعمار؛ على الذات الثقافية العربية الإسلامية؛ و نفس هذا الخراب هو الذي عم جميع المجالات الأخرى؛ لنستفيق أخيرا على كوابيس مرعبة؛ أصبحت تشكل تهديدا وجوديا على امتدادنا الحضاري؛ خصوصا مع دخول النيوكولونيالية على الخط؛ محاولة ضخ دماء جديدة في هذه الأنساق السياسية و الاقتصادية و الثقافية المتهالكة؛ طبعا لأنها تخدم أجندتها؛ بشكل يفوق بكثير؛ ما كانت تحصل عليه خلال المرحلة الاستعمارية ذاتها .
و هنا؛ لابد أن نتوقف قليلا لمناقشة؛ ما يروج داخليا قبل الخارج؛ حول نجاح التجربة الإسلامية؛ و خصوصا ما يتعلق ببعض الأصوات الشاردة؛ التي لا يمكن تصنيفها بالمعنى الإيديولوجي –الخاضع لمرجعيات فلسفية- و ذلك لأنها تخدم بشكل لا واع الأجندة الغربية؛ حينما تروج للإسلاموفوبيا؛ التي ترفضها نخبة الغرب المتنورة نفسها؛ بينما تعتبر رهان اليمين المسيحي-اليهودي المتطرف؛ الذي يتعامل مع جميع تمظهرات الإسلام –بشكل عام- كمنافس جدي؛ لابد من وضع حد له؛ حتى و لو تطلب الأمر إعلان حرب صليبية؛ كتلك التي أعلنها اليمين المتطرف الأمريكي مع جورج بوش .
إنه ليس من حق أي كان؛ أن يحاكم النوايا؛ فيزعم أن حركات الإسلام السياسي تمارس التقية فقط؛ و أنها تتعامل مع الديمقراطية كسلم يوصلها إلى الحكم؛ لتحطمه فيما بعد؛ و أن الفكر الإسلامي يتعارض مع الديمقراطية و الحداثة... إن ما يجب على القراءة الموضوعية أن تأخذ به؛ هو الممارسة على أرض الواقع؛ و لذلك سيكون من حقنا أن نصدر هذه الأحكام في حينها؛ بعدما تؤكد لنا الممارسة صدقية هذا المنحى .
و في هذا الصدد؛ لابد أن نذكر بأن نفس الخطاب؛ هو الذي كان رائجا منذ سنة 2002 بعد وصول حزب العدالة و التنمية الإسلامي إلى الحكم في تركيا؛ فقد كانت جميع الأصوات ترتفع من الداخل و الخارج؛ شرقا و غربا؛ محذرة من خطورة الوضع السياسي في تركيا؛ و مشككة في نوايا الإسلاميين؛ الذين قيل عنهم كذلك؛ أنهم يتعاملون مع الديمقراطية كسلم؛ سيحطمونه مباشرة بعد الوصول إلى الحكم. لكن الممارسة الواقعية تنفي بقوة جميع هذه الادعاءات؛ و تؤكد بالملموس أنها جزء من الإسلاموفوبيا التي انتشرت غربا و شرقا؛ محذرة من الخطر الإسلامي الداهم؛ الذي سيعود بالعالم الإسلامي إلى القرون الوسطى. فتركيا؛ اليوم؛ و بعد عقد من ممارسة الإسلاميين للسلطة؛ تبدو في التقارير الدولة و قد أحدثت ثورة كوبرنيكية؛ في جميع المجالات؛ من السياسة إلى الاقتصاد و المجتمع؛ كما أن استمرارية التجربة الإسلامية في تركيا؛ يخضع للمنهجية الديمقراطية؛ التي تبوؤه في الانتخابات كمعبر عن الإرادة الشعبية.
إن المدخل الذي اعتمده (فرانسوا بورغا) في تعامله مع حركات الإسلام السياسي؛ باعتبارها صوت الجنوب؛ في مقابل صوت الشمال (الغرب) الذي حضر إما عبر الاستعمار؛ و إما عبر الأنظمة السياسية الحاكمة التي تعتبر امتدادا للوجود الاستعماري؛ هذا المدخل هو الذي مكن الباحث؛ من تقويم الأطروحة الغربية (التي تم استنساخها في العالم العربي)؛ و التي تربط بشكل ميكانيكي بين الحركات الإسلامية كحركات سياسية و الإسلام كدين متعال؛ و هذا الربط هو الذي كان جوهر الإشكال؛ فقد تم رسم صورة لحركات الإسلام السياسي؛ كحركات دينية؛ تسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية و تطبيق الشريعة؛ و هذه الصورة تم تكريسها؛ من طرف بعض الحركات السلفية؛ التي اتخذت منهجا راديكاليا؛ في ربطها بين الدين و الدولة؛ بينما حقيقة الأمر أن هذه الحركات هي تعبير عن وضع فكري و سياسي و اجتماعي؛ عاشه العالم العربي خلال المرحلة الاستعمارية؛ و استمر مع الأنظمة السياسية التي وصلت إلى الحكم بعد الاستقلال الشكلي؛ نتيجة توافقات مصلحيه بينها و بين قوى الاستعمار الغربي. و سواء اتخذت هذه الأنظمة طابعا قوميا أو علمانويا أو يسارويا؛ فإنها كانت تشترك في ارتباطها بالنموذج الغربي؛ مع اشتراكها كذلك في محاولة استئصال الجذور الثقافية و الدينية للمجتمعات العربية؛ لكن بشكل كاريكاتوري –على حد وصف الأستاذ محمد أركون للعلمانوية الأتاتوركية- .
و بناء على هذا التحليل؛ فإن حركات الإسلام السياسي؛ باعتبارها حركات سياسية و ليست حركات دينية؛ تعتبر نبتا أصيلا و ليس طارئا أو دخيلا –بتعبير حامد أبي زيد- فقد خصص (فرانسوا بورغا) فصلا كاملا من الكتاب (الفصل الثاني) للكشف عن أسباب ميلاد الظاهرة و نموها في صيرورة المجتمع العربي؛ حال انتقاله من تقليديته إلى خضوعه للاستعمار و التقائه بأوربا؛ ثم نضاله ضد هذا الوجود الاستعماري بما يمثله من قيم و رموز؛ ثم ميلاد الدولة القومية و فشل المشروع القومي؛ و بعد ذلك ميلاد الإسلام السياسي مشروعا بديلا.
الحركات الإسلامية و إشكالية الدولة المدنية في العالم العربي.. في الحاجة إلى علمانية محافظة
يعتبر مفهوم العلمانية؛ من بين المفاهيم الفكرية الحديثة التي أثارت نقاشات طويلة في الفكر العربي الإسلامي؛ ما بين مدافع عن المفهوم؛ باعتباره الخيار الوحيد أمام الثقافة العربية؛ للخروج من سيطرة النص الديني؛ و ما بين معارض يعتبر أن الإسلام دين و دنيا/دولة؛ و لذلك فهو يختلف جوهريا عن المسيحية التي ولدت تجربة العلمانية.
لكن النقاش انزاح في أحيان كثيرة عن المقاربة العلمية؛ كما هو شأن جميع النقاشات الفكرية التي عرفتها الثقافة العربية؛ و تحول إلى صراع؛ غذته أكثر الإيديولوجيات المتصارعة؛ بحيث اتخذ مفهوم العلمانية في المفهوم اليساروي/الليبرالوي؛ صفة معاداة الدين؛ باعتباره أفيون الشعوب؛ و باعتباره يمثل مرحلة سابقة من مراحل تطور البشرية؛ و بذلك تحولت العلمانية إلى إيديولوجية ذات بعد مذهبي؛ أكثر مما هي منهج في الفصل بين السلطتين الروحية و المادية؛ من دون معاداة بينهما؛ مع المحافظة على استقلالية كل سلطة عن الأخرى. و هذا ما فتح الباب أمام رد فعل الحركات الإسلامية؛ التي اعتبرت العلمانية خطرا على الإسلام؛ و ربطتها بالكفر و الإلحاد؛ و لذلك خاضت حربا شرسة ضدها؛ بل و ركبت هذه الحرب من أجل تحقيق مكاسب سياسية؛ مكنتها من احتلال مكانة التيارين اليساري و العلماني القومي؛ بعد انهيار مشروعهما السياسي و الثقافي؛ لأنه لم ينجح في تحقيق الانسجام مع بنية المجتمعات العربية.
و هنا؛ لا بد من إثارة مجموعة من الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة على الباحث؛ من قبيل: هل العلمانية بمفهومها العلمي تعادي الدين؛ و تسعى إلى استئصاله؟ هل يمكن اعتبار التجارب العلمانوية؛ الفرنسية و الشيوعية و التركية؛ التجسيد الوحيد الممكن لمفهوم العلمانية؟ أم إن هناك مقاربات أخرى للمفهوم ؟
قبل أن نخوض في نقاشنا حول مفهوم العلمانية؛ و حول حضوره في الثقافة العربية؛ لابد من التوقف أولا عند الدلالات التي يحملها المفهوم؛ "فحسب الإيتمولوجيا فإن كلمة laïcos اليونانية؛ تعني الشعب ككل ما عدا رجال الدين؛ و في لاتينية القرن الثالث عشر؛ نجد أن كلمة laïcus تعني الحياة المدنية أو النظامية ". (12) و باعتماد الدلالتين معا؛ لا نقف على ما يرتبط بنفي البعد الديني؛ بل نلمس توجها نحو الفصل بين البعد ين الديني و الدنيوي؛ ليرتبط كل مكون بوظيفته الخاصة؛ كما يحيل مفهوم العلمانية بطريقة مباشرة على الحياة المدنية و النظامية. و لعل هذه الدلالات لتؤكد بالملموس؛ على أن مفهوم العلمانية ليس إيديولوجية معادية للمكون الديني؛ بل إن وظيفتها هي حصر هذا المكون ضمن مجاله الخاص.
و هذه الدلالات؛ هي ما يغيب عن علمانية النموذج الفرنسي؛ التي يطلق عليها الأستاذ محمد أركون؛ مصطلح العلمانوية laïcisme؛ باعتبارها تجربة ارتبطت بالثورة على الإكليروس؛ الذين كانوا يوظفون سلطة الكنيسة لفرض هيمنتهم على الدولة و المجتمع؛ و لذلك كان رد الفعل ضد الدين عنيفا؛ بحيث تم تهميشه في الحياة المدنية؛ عبر قرارات صارمة فرضتها الدولة على المواطنين و على المؤسسات .
و بالإضافة إلى التجربة الفرنسية؛ اتخذ مفهوم العلمانية بعدا إيديولوجيا في الأدبيات الماركسية؛ التي نهلت منها مجموع دول المعسكر الشرقي؛ من الاتحاد السوفييتي؛ إلى أوروبا الشرقية؛ إلى أمريكا اللاتينية؛ و بعض الأحزاب الشيوعية العربية؛ و قد تم التعامل مع العلمانية في هذه الأدبيات باعتبارها نفيا للمكون الديني؛ الذي اعتبر بلغة ماركسية مصكوكة؛ أفيون الشعوب الذي يخدرها و يمنعها من النضال ضد الاستغلال و العبودية ! كما حضرت العلمانية في التجربة الإسلامية؛ بشكل لا يختلف عن سابقيه؛ فقد عمل أتاتورك في تركيا على تجسيد العلمانوية الفرنسية؛ باعتبارها معاداة للدين؛ و بذلك فرض على المجتمع التركي إيديولوجية؛ تتناقض مع مرجعيته الثقافية؛ و هذا ما أدى؛ على المدى القريب بله البعيد؛ إلى نتائج معاكسة تماما لطموحات أب الأتراك .
و لذلك؛ نجد الأستاذ محمد أركون؛ يؤكد على أن تجربة تركيا العلمانوية قد ذهبت بعيدا في جرأتها؛ لكنها لم تكن في الواقع إلا (كاريكاتيرا) للعلمنة؛ رافقته بعض التطرفات؛ كما حدث في فرنسا سابقا؛ لكن الشعب التركي لم يستجب لهذه التجربة التي دوخته؛ مما يفسر العودة الدينية العنيفة" . (13)
ومن خلال عرضنا لهذه الأشكال الأيديولوجية؛ التي حضر من خلالها مفهوم العلمانية؛ باعتبارها ثورة ضد المكون الديني (العلمانوية laïcisme )؛ يمكن أن نفهم بوضوح عمق الظاهرة الدينية؛ التي لا يمكن مقاربتها من منظور إيديولوجي ضيق؛ بل تتطلب مجهودا فكريا؛ يرتبط بتاريخ الأديان المقارن؛ بالإضافة إلى الأنطروبولوجيا الثقافية و سوسيولوجيا الدين؛ و كلها تخصصات علمية؛ تسعى إلى مقاربة الدين كظاهرة؛ تتطلب مقاربة علمية لا تقل قيمة عن مقاربة مختلف الظواهر الإنسانية الأخرى. و لعل ما يؤكد هذه الرؤية؛ هو الفشل الذريع الذي منيت به هذه التجارب العلمانوية؛ سواء في التجربة الفرنسية؛ أو في التجربة الأتاتوركية؛ أو في الإيديولوجية اليسارية الشيوعية؛ حيث كانت النتيجة دائما؛ انفجار المكبوت الديني بشكل أعنف لا يمكن مقاومته .
و لعل أبرز مثال على ذلك؛ هو ما يقع في تركيا الآن؛ حيث يوضع التراث العلمانوي الأتاتوركي في مهب الريح؛ و يتحدث المراقبون؛ اليوم؛ عن ظاهرة ثقافية جديدة يطلقون عليها اسم "العثمانيون الجدد" و التي يتزعمها حزب العدالة و التنمية؛ الذي يسيطر على السلطتين التشريعية و التنفيذية في الدولة التركية؛ و يقود ثورة صامتة ضد العلمانويين الأتراك. و يقدم هذا النموذج دروسا عميقة؛ لبعض النخب العربية المؤدلجة؛ و التي تقود حربا دونكشوطية ضد الدين الإسلامي؛ من منظور سياسوي يفتقد أبسط شروط التفكير العلمي الحديث؛ بحيث لا تنتج إلا خطابات فارغة من أي مضمون علمي؛ يقارب الدين كظاهرة تستحق الدراسة و التحليل .
التجربة الإسلامية التركية.. من العلمانوية الأتاتوركية و السلفية النصية إلى العلمانية المحافظة
يحضر الإسلام السياسي/الحركي؛ مجسدا في حزب العدالة و التنمية؛ كقائد لمجموع التحولات الحاصلة داخل المجتمع التركي؛ سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا. فمنذ وصوله إلى الحكم بأغلبية ساحقة سنة 2002؛ دشن الحزب لمرحلة جديدة في تاريخ تركيا؛ تقوم على محورين أساسيين:
يرتبط المحور الأول بالمنحى الفكري و الثقافي العام؛ حيث
يعمل الحزب على محاولة تصفية الإرث العلمانوي الاتاتوركي؛ الذي فرض على المجتمع التركي نموذجا ثقافيا؛ لا يستجيب لانتمائه الحضاري الإسلامي؛ و في نفس الآن لا يستجيب لأبسط مقومات الفصل العلمي بين السلطتين الروحية و المادية. و لذلك فقد كان صورة مشوهة من العلمانوية الفرنسية؛ التي قامت على أساس استئصال كل الامتدادات الروحية في المجتمع الفرنسي؛ و نظرا لهذا الطابع الإيديولوجي الفج للعلمانوية الأتاتوركية؛ فقد أدت تركيا الثمن غاليا؛ من استقرارها الاجتماعي و الثقافي؛ كما أدت ثمنا أغلى من عمقها الاستراتيجي. وما يبدو واضحا لحدود الآن؛ فإن حزب العدالة و التنمية من خلال نخبه الأكاديمية المؤهلة؛ قد نجح إلى حد بعيد في إعادة تشكيل النسق الاجتماعي و الثقافي في تركيا؛ و تقود هذا التحول كبرى الجامعات و مؤسسات المجتمع المدني؛ كما تقوده النخبة المثقفة عبر الصحافة؛ و مختلف الأندية الثقافية.
يرتبط المحور الثاني بالمنحى السياسي؛ و على هذا
المنحى يقود حزب العدالة و التنمية صراعا مريرا ضد المؤسسة العسكرية؛ التي حكمت تركيا طوال عقود تحت القبضة الحديدية؛ كما أنها كانت طوال فترات حكمها حامية التراث العلمانوي الأتاتوركي؛ في السياسة و الثقافة؛ و في الامتداد الاجتماعي؛ و سنت لذلك قوانين خاصة؛ تمنحها مشروعية التدخل لحماية القيم الأتاتوركية؛ التي تتخذ أشكالا متعددة ترتبط بحرية التأويل التي يمتلكها العسكر. و على هذا المستوى تقود النخب السياسية الإسلامية صراعا دستوريا؛ بهدف الحد من السلطات اللامحدودة؛ التي خولها الدستور للمؤسسة العسكرية.
و سواء على المستوى الثقافي أو على المستوى السياسي؛ فإن حزب العدالة و التنمية بتأسيسه لهذا النموذج الإسلامي الجديد؛ يكون قد نجح إلى أبعد الحدود؛ في التقريب بين نموذجين متناقضين فكريا و سياسيا؛ في الفكر الإسلامي:
يقوم النموذج الأول على التأويل السلفي للنصوص الدينية؛ محاولا تقييد الواقع المتحرك بالنص الثابت. و هذا النموذج تجسده الكثير من الحركات السلفية في العالم العربي؛ و التي تعتبر إما امتدادا للنموذج السلفي الوهابي؛ أو امتدادا لنموذج الإخوان المسلمين (14)
و يقوم النموذج الثاني؛ على أساس علمانوي (15) يرفض كل ما يمت بصلة إلى مجال الدين؛ و هذا النموذج إما يحضر بامتدادات يسارية/ماركسية و إما يحضر بامتدادات ليبرالية؛ ترتبط بنموذج الثورة الفرنسية؛ التي كرست الصراع و العداء بين المكون الروحي (الدين) و المكون المادي (الدولة) .
إن الصراع القائم بين هذين النموذجين؛ في الفكر الإسلامي؛ منذ انفتاحه على الغرب؛ إبان مرحلة القرن التاسع عشر؛ و هذا الصراع و التناقض القائم لا يتجسد حزبيا فقط؛ بل يتجاوز ذلك لخلق نفس الصراع و التناقض على مستوى المجتمع ككل؛ و الذي انقسم على نفسه منذ الانفتاح المتحقق على الغرب؛ إلى تيارين متصارعين؛ لكل تيار أجندته و رهاناته الخاصة؛ التي يسعى إلى فرضها على الجميع . إنه الصراع بين ما هو أصيل (سلفي غالبا) و معاصر ( يساري-ليبرالي غالبا) .
لكن النموذج الذي يؤسس له حزب العدالة و التنمية في تركيا؛ يسعى إلى ردم هذه الهوة القائمة بين النموذجين؛ و يقدم الدليل في كل مرة؛ على أن الصراع الحاصل في الفكر الإسلامي؛ بين النموذجين طوال قرن من الزمن؛ لا يتجاوز الطابع النفسي؛ بحيث ترسخ لكل طرف عداء نفسي غير مبرر للطرف الثاني؛ يمنعه من مد جسور الحوار و التواصل الفكري نحوه .
و من هذا المنظور؛ فإن كل ما قيل و كتب حول مسألة رفض الإسلام للحداثة؛ بما تجسده من ديمقراطية سياسية و ليبرالية فكرية و حرية سوق اقتصادية؛ كل ما قيل و كتب حول الرفض الإسلامي للحداثة؛ يوضع الآن مع التجربة الإسلامية الجديدة في تركيا؛ على محك النقد التفكيكي الصارم الذي لا يدع مجالا لتدخل النزعات الإيديولوجية الفجة .
إن قادة و منظري الحزب الإسلامي التركي يستثمرون كل منجزات الحداثة (سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا) من أجل ترسيخ النموذج الإسلامي في تركيا؛ و هم يقودون عملية بناء هادئة؛ لنموذج علماني أصيل؛ يقوم على الفصل بين السلطتين الروحية و المادية؛ فصلا علميا؛ يتناقض مع النموذج العلمانوي الأتاتوركي؛ ذي النزعات الإيديولوجية الفرنسية. و هم بذلك لا يؤسسون فقط لمرحلة جديدة في تركيا؛ و لكنهم يؤسسون لمرحلة جديدة في العالم الإسلامي ككل؛ تقوم على أساس التصالح؛ بين الأصيل و المعاصر؛ بين الدين و الدولة؛ بين الإسلام و الحداثة بتعبير أشمل . (16)
و لتجسيد هذه الرؤية فكريا و سياسيا و اجتماعيا؛ فقد تبنى مؤسسو الحزب آلية "الديمقراطية المحافظة " و هي نظام سياسي و اجتماعي توفيقي؛ تنسجم فيه الحداثة و التراث من جانب؛ و القيم الإنسانية و العقلانية من جانب ثان؛ فهي تقبل الجديد و لا ترفض القديم و المحلي؛ و تحترم الآخر و تؤمن بخصوصية الذات؛ و ترفض الخطاب السياسي القائم على الثنائيات؛ التي تفرض رؤية سياسية أو عرقية أو إيديولوجية أو دينية ... واحدة تلغي ما سواها؛ و تؤكد أن الدولة يجب أن يتوقف دورها عند تسيير الأمور؛ من خلال الحد من التناقض؛ عبر التوفيق بين مختلف الاتجاهات؛ بتحقيق التفاعل الإيجابي في المجتمع؛ بما يساهم في إيجاد بيئة يتعايش فيها الجميع دون استقطاب أو استئثار. و تتعدى ديمقراطية الحزب؛ الانتخابات و نزاهتها؛ و البرلمانات و قدسيتها؛ إلى تنشيط دور المجتمع المدني و احترام الحريات؛ و ضمان الحق في الاختلاف و المشاركة؛ و توزيع و استقلال السلطات؛ و هي المبادئ العامة للديمقراطية المحافظة؛ و التي يسعى الحزب إلى تحقيقها في الحياة السياسية التركية. (17)
و تتأطر هذه الديمقراطية المحافظة؛ التي يسعى الحزب الإسلامي إلى ترسيخها في الدولة و في المجتمع التركي؛ تتأطر من خلال رؤية علمانية (محافظة)؛ تسعى إلى التوفيق بين حضور الدين في الدولة و في الحياة العامة من جهة؛ و من جهة أخرى إلى تقنين هذا الحضور من منظور مؤسساتي واضح؛ يقوم على أساس نموذج سياسي تركي أصيل؛ تجسد منذ الإمبراطورية العثمانية؛ يؤمن بان " الدولة تسبق الدين بخطوة " (18). و هذا هو ما يجسده قادة الحزب؛ سواء على مستوى التنظير؛ أو على مستوى الممارسة. الدين هو شيء مهم بالنسبة لي على المستوى الفردي –يؤكد أردوغان- لكنه لن يكون كذلك في الفضاء العام الاجتماعي و السياسي؛ حيث يجب أن تتنافس البرامج و الأفكار و الخطط؛ و يكون الاختيار بينها و التصويت عليها؛ عبر العملية الديمقراطية (19) و من هذا المنظور؛ يرفض (أردوغان) مفهوم (الحزب الإسلامي) مفضلا أن يكون الحزب (سياسيا)؛ و ذلك لأن تسمية الحزب بالإسلامي؛ في دولة أغلبية ساكنتها من المسلمين؛ يكون قوة انقسام في المجتمع؛ بينما الدين هو قوة توحيد .
كلها مؤشرات تؤكد بالملموس أننا بصدد ظاهرة سياسية غير مسبوقة في العالم الإسلامي؛ حيث تم اعتماد روح العلمانية؛ التي تقتضي الفصل بين السلطتين الروحية و المادية؛ من دون خلط بينهما؛ فلكل سلطة مجال تدخلها الخاص. و لعل هذا؛ هو ما يمثل روح الإصلاح الديني في أوربا مع الحركة البروتستانتية؛ حيث تم انتزاع السلطة المادية من قبضة الكنيسة؛ و تم تفويضها للشعب؛ الذي يختار ممثليه عبر صناديق الاقتراع؛ و من ثم أصبح الشعب يمارس السلطة عبر ممثليه؛ بدلا من ممارسة الكنيسة للسلطتين الروحية و المادية؛ بادعاء التفويض الإلهي.
إن هذا النموذج الذي يجسده حزب العدالة و التنمية في تركيا؛ والذي يقوم على أساس (ديمقراطية محافظة) تفضي إلى (علمانية محافظة)؛ هو نموذج أصيل في الفكر الإسلامي؛ قبل إعادة صياغته من طرف السلطة السياسية لخدمة مصالحها؛ فالعلمانية التي هي أساس الدولة المدنية؛ تمتلك في التاريخ الإسلامي مشروعية تاريخية كبيرة؛ تنهل من معين النص الديني المؤسس؛ قبل أن ترتبط بالممارسة العملية؛ و لعل هذا؛ هو ما سعى تراث عصر النهضة الفكري إلى ترسيخه؛ و خصوصا مع المفكر النهضوي و الشيخ الجليل (علي عبد الرزق) في كتابه (الإسلام و أصول الحكم)؛ الذي دحض فيه بالدليل و الحجة الدينية؛ نموذج الخلافة (الدولة الدينية)؛ و اعتبرها منتوجا تاريخيا؛ كغيره من منتوجات الفكر و السياسة ...
الإسلام السياسي في العالم العربي .. في الحاجة إلى إحياء النموذج النهضوي الموؤود
نجح المد الثوري الذي يعيشه العالم العربي؛ في نقل حركات الإسلام السياسي إلى الواجهة؛ باعتبارها الصوت السياسي الذي استطاع الحصول على الشرعية الشعبية؛ و قد كان ذلك؛ تجسيدا لرغبة الشعوب العربية؛ في تحقيق تحولات جذرية؛ على مستوى الاقتصاد و السياسة و الثقافة و المجتمع؛ و هذا النجاح الذي حققه الخيار الإسلامي في العالم العربي؛ يفرض مسؤوليات تاريخية على قيادات الحركات الإسلامية؛ التي تجد نفسها اليوم؛ في مواجهة اختبار سياسي حقيقي؛ يحدد مصيرها حاضرا و مستقبلا. و ذلك لأن الشعوب العربية غير مستعدة؛ اليوم؛ لتقبل نموذج الدولة الدينية؛ التي تعتمد القراءة النصية الجامدة للنص الديني؛ لبرمجة الواقع و فرملة الديناميكية؛ التي يعيشها العالم العربي على إيقاعات الحداثة و العولمة .
إن أول ما يجب أن يدركه قادة المشروع الإسلامي؛ هو أن الخيار السلفي النصي؛ على الطريقة الوهابية أو على الطريقة الإخوانية (الإسلام هو الحل) لن ينجح البتة؛ في إقامة مشروع سياسي و اجتماعي و ثقافي حديث في العالم العربي؛ و لعل أول من سيواجه هذا الخيار هو الشعوب العربية نفسها؛ التي وضعت ثقتها في الخيار الإسلامي؛ و هي تحلم بالنموذج التركي؛ الذي ركب التحدي؛ و نجح في المزاوجة بين القيم الروحية الإسلامية؛ و بين قيم الحداثة في المجال السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي .
و من هنا؛ يجب على الحركات الإسلامية؛ أن تضع كل ما راكمته من تراث على المحك؛ و أن تلتزم الشجاعة الأدبية؛ في تقويم الكثير من الرؤى التي بلورتها؛ خلال مراحل الصراع مع الأنظمة الحاكمة؛ و هي رؤى يمكن فهمها في سياق ردود الفعل الطبيعية؛ على الاستلاب و الاغتراب الحضاري الذي فرضته الأنظمة الحاكمة؛ في سعيها إلى بناء نموذج يقوم على أساس تحديث معاق؛ يتخذ العنف الرمزي و المادي كمنهج لترويض المجتمع. لكن بعد حصول الخيار الإسلامي على الشرعية الشعبية؛ ليس هناك أي مبرر للاستمرار في إصدار ردود الفعل؛ بل يجب الانتقال إلى مستوى الفعل العقلاني و المدروس؛ الذي يسعى إلى خدمة المجتمع و تطويره؛ ضمن سياق من التواصل و الحوار المتبادل؛ في منأى عن أية ثنائيات إيديولوجية مقرفة (مؤمن/كافر- متدين/غير متدين ...) لأن العمل على تقسيم المجتمع إلى فئتين؛ فئة ناجية و أخرى ساقطة في الجحيم؛ هذا التقسيم سيرسخ من جديد المنهجية القديمة؛ و سنتحدث يوما؛ عن رد الفعل العلماني ضد الدولة الدينية؛ كما كنا نتحدث لوقت قريب؛ عن رد الفعل الديني ضد الدولة العلمانية. و ذلك لأن التطرف واحد؛ في الأخير؛ لا لون و لا جنس له.
لقد أصبح من اللازم؛ اليوم؛ أن يعبر المشروع الإسلامي في العالم العربي؛ عن نضجه الفكري و السياسي؛ و هذا الرهان لن يتحقق –طبعا- مع استمرارية القراءة النصية/السلفية للنص الديني؛ و التي ميزت الكثير من أدبيات الحركة الإسلامية؛ في مجال الثقافة و السياسة و المجتمع؛ و هي أدبيات لا تستقيم مع الحركية التي تعيشها المجتمعات العربية؛ التي اندمجت في السياق العولمي/الحداثي؛ و لا يمكن لأي قوة سياسية أن تع

 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات