عرب ريم الاخباري

    راية إعلانية

عرب ريم على الفيس بوك

وعي الشعوب العقلاني يختلف كثيراً

أرسل إلى صديق طباعة PDF
من المعروف سوسيولوجياً ان رجال السياسة البارعين الذين يحالفهم الحظ في قيادة شعوبهم بدغدغة احلامها وأمانيها يستطيعون بسهولة في بعض البلدان في حال فشلهم ان يوهموا تلك الشعوب، إذا كانت بدائية في معظمها أو شبه بدائية، بأن هزيمتهم عابرة، بل انها انتصار في الحقيقة، إلا انه يصعب ذلك عليهم كثيراً إذا كانت تلك الشعوب متطورة، راقية وواعية.
فوعي الشعوب، أو لنقل ذاكرتها قصيرة جداً عند بعضهم وتغلب عليها العاطفة، وطويلة عند البعض الآخر ويغلب عليها العقل والمصلحة العامة. ولنا على ذلك في التاريخ امثلة كثيرة وشهيرة نكتفي بالاشارة إلى القليل منها، على اختلافها بين الشرق والغرب.
ففي الغرب، وتحديداً في فرنسا سنة 1871، واذ خسر الأمبراطور نابليون الثالث الحرب مع ألمانيا واضطرّ للتنازل لها عن مقاطعتي الالزاس واللورّين، أُرغم في الوقت نفسه على التنازل عن العرش وحوكم قائد جيشه المريشال بازان، وكذلك حصل في المانيا مع الأمبراطور غليوم إثر خسارته الحرب الكبرى الأولى سنة 1918، اذ أُرغم على التنازل عن العرش ومستعمراته وعلى اعادة الألزاس واللوّرين إلى فرنسا.
وفي بريطانيا العظمى، وخلال الستينات من القرن الماضي كان وزير الدفاع السيد بروفيومو من ألمع رجال السياسة، والمؤهّل الأبرز لكي يصبح زعيم حزب المحافظين ويتبوّأ تالياً مركز الوزير الأول، إلا ان ذكره انطفأ إلى الأبد وصار نسياً منسيّاً اذ اشتُبه به على اثر ما قيل عن علاقته بالسيدة كريستين كيلر التي كانت بدورها على علاقة بالملحق العسكري السوفياتي وصار يُخشى ان تكون قد علمت من وزير الدفاع ببعض الاسرار الدفاعية البريطانية فتسرَّبت عن طريقها إلى الملحق المذكور.
ورغم أنه لم يتبيّن ان أي سرّ دفاعي قد جرى تسريبه إلاّ ان بروفيومو، لمّا سئل رسمياً امام مجلس العموم عمّا إذا كان على علاقة بتلك المرأة، أنكر وجود تلك العلاقة جملةً وتفصيلاً، وإذ ثبت كذبه من هذا القبيل، أُرغم على الاستقالة من الحياة السياسية نهائياً، لا لسببٍ إلاّ لأنه كذب على ممثلي الأمة.
وكذلك حصل مع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الذي أُرغم أيضاً على الاستقالة بعدما ثبت تجسُّسه على خصومه الديمقراطيين في قضية ووترغيت الشهيرة وكان قد أنكر بدايةً امام الكونغرس ما نُسِب اليه.حقّاً، هكذا يكون حكّام الشعوب الواعية، لا سيما لدى اتّخاذهم موقفاً ذا شأن، لأنهم لا يستطيعون إلا ان يغلّبوا العقل والمصلحة العامة على العاطفة او الأنانية والعنتريات الفارغة.
أما عندنا في الشرق الأوسط، في لبنان أو غيره، فإنّ رجال السياسة، بسبب عدم وعي شعوبهم عقلانياً بما فيه الكفاية وجهلها الماضي أو نسيانه بسرعة، لا يتورّعون عن ان يطبّقوا دون أي خوف المثل العامي المعروف والمتوارث من زمان، القائل «الكذب ملح الرجال والعيب على من يصدق»، فكم هم كثر المسؤولون الذين كذبوا ويكذبون على شعبهم القليل الوعي وعلى المرجعيات الرسمية دون ان يجرؤ أحد على رشقهم بوردة.
ونشير هنا على سبيل المثل، إلى ان الرئيس عبد الناصر اذ اضطرّ سنة 1967 متأثراً بسوريا ـ البعث، وبتشجيع منها وهي لم تقصد سوى كشفه وإحراجه علناً أو ايقاعه في التهلكة ولو معاً واياه لخفت بريقه آنذاك، اضطرّ حفاظاً على ماء الوجه لاقفال مضايق تيرانا وشرم الشيخ بوجه البواخر الاسرائيلية والتهديد باغراقها إن هي مرّت فيه ـ ويا ليته لم يفعل ـ وهو يعلم ان اسرائيل لن تسكت عن امرٍ من شأنه ان يمنعها عن تصدير قسم كبير من صناعتها أو عن استيراد ما يلزمها، كما يعلم انه غير مجهزّ لصدّها عن ذلك بالقوة، فشنّت عليه حرباً صاعقة ادت الى خسارته قطاع غزّة وشبه جزيرة سيناء وصولاً إلى قناة السويس التي لم يكن قد مضى له سوى عشر سنوات على استرجاعها منها بتدخّلٍ فاعل من الرئيس ايزنهور آنذاك سنة 1956، كما ادّت تلك الحرب أيضاً إلى خسارة الاردن الضفة الغربية بكاملها، وسوريا الجولان الذي ما زال محتلاّ حتى اليوم.
ومع ذلك بقي عبد الناصر في السلطة الى ان توفاه الله في 28 ايلول 1970 اذ أقنع شعبه الذي صدّقه بأن تلك الحرب ليست سوى نكسة مبرراً اياها بقوله انتظرنا الاسرائيليين من الشرق فجاؤوا من الغرب.
والظرف نفسه يتطابق أيضاً على حرب تموز 2006 التي وقعت بين حزب الله واسرائيل بسبب خطف جنديين اسرائيليين وادت إلى استشهاد 1300 لبناني وجرح 4000 وتهجير ولو مؤقتاً مليون آخر وتدمير هائل لقسم كبير من بنيته التحتية.
ويحضرني أيضاً ذلك اليوم الذي، رغم مرور السنوات الطوال عليه، تنادت فيه الدول العربية، بطلب من سوريا البعث لدعوة الجامعة العربية للانعقاد في تونس ونقل مقرّها الدائم اليها لِتُُطرد منها مصر زعيمة الدول العربية وأكبرها، عقاباً لرئيسها محمد أنور السادات لأنه تمكّن من استعادة سيناء من اسرائيل بعد مصالحته اياها، وقد انضم لبنان إلى ذلك الاجتماع رغم ان الرئيس المصري كان يدافع عنه في محنته مردداً قوله الشهير ارفعوا أيديكم عنه.
أما اليوم، فان لبنان الذي عُرِف في الماضي بأنه ملاذ لكل مضطهد، أكان سورياً ام غير سوري، فقد نأى بنفسه عن الدول العربية وانحاز كلياً إلى النظام السوري الشمولي خلافاً لتقاليده.
فهل انه فقد استقلاله نهائياً وصار يدور في فلك النظام السوري يستدير معه كيفما استدار؟
اننا باسم شريحة كبيرة من اللبنانيين نطلب جواباً صريحاً عن هذا التساؤل.
سليم العازار
عضو المجلس الدستوري سابقا


 

يوتوب فديو

جديد الموقع

حوار صحفي

Prev Next

إشهارات